تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


رأي.. غيـــوم صيفيــة..!

ثقافة
الاحد 29-7-2018
سعاد زاهر

على اثر سقوط مفاجئ لورقة خضراء يتخللها بعض قطرات الندى, ملمسها المخملي, يعيد اليك ذكرى أول لقاء, وأول همسة.. وربما أولى خطوات الحياة كما اردتها تماما..!

حينها.. أنت على وشك ان تطير كغيمة وقد تفكر برش مطرها في منتصف نهار صيفي لاتهب فيه نسمة هواء..!‏

رواية اثر أخرى.. تتتالى أفكارك.. تحيي آمالك.. حنينك.. حبك الخفي.. أحاسيس تداهمك وتعيد ترابطك, بعد أن اقتربت من التلاشي.. تشكلك آنيا, ومن ثم تعيد صقل روحك.. بحيث لايمكن لغيومك أن تتلاشى لاصيفا ولاشتاء.. اما النسمات الباردة.. بعيدا عن أذى التكييف, تهب عليك من فكرة, جملة.. تتلاعب بك وتبعدك عن واقع مقيت..!‏

حين يحاصرك اللاشيء وتشعر بفراغك وتفقد تركيزك, وتحتار في خياراتك, وتتلاعب بك الظروف وتفقد قدرتك على اتخاذ أصغر قرار.. تنقذك قراءاتك المتقنة.. مع انها تحتاج الى تركيز مضن, يفقدنا إياه كل ماحولنا..!‏

تأخذك التفاصيل, المتناهية الصغر.. تلك التي تكاد تشبه قرصات ناموس لايرى بالعين المجردة لكنه يلسعك وتشعر بلسعاته مثل النار.. ورغم كل اللسعات تجعل تلك التفاصيل تعيش مع تراكيب حياتية لن تنتهي طالما انت حي, تفاصيل واقعية, كلما فكفكت إحداها, حملتك الى أخرى, كأنك في لعبة المتاهة, لكن بلا اي متعة..!‏

مرغما تقبل غالبية الوقت على حل مشكلاتك بملل, واعياء ظاهر.. تحتاج بعدها الى شحن ذاتك, بعيدا عن ميكانيكية مملة, تعوق تفتحك,. تريد ان تشغل فكرك, وتعيد تشكيل نسيج روحي غير قابل للخرق..!‏

ولكن هل تتشكل سوى بقراءتك المتتالية.. ماإن تدخل اليها ستخرج بعدها متوقدا, كأنك شعلة, جذوة فكرية لاتنطفئ طالما أنت حي..!‏

انت تشعر بتلك النشوة.. كلما اقتربت من احد الروائيين.. كل حسب عوالمه, ما أن تتصفح عوالم الكاتب الياباني هاروكي موراكامي.. حتى تشعر أنك في خضم عالم روائي -غرائبي, لايمكنك عبره, امتطاء المألوف, وإن كنت قد قرأت عنه, ستشعر بتناقض رواياته مع عالمه الحياتي فهو بقامته القصيرة, وحبه للجري وولعه الموسيقي, وتآلفه مع الانضباط, يجعلك تستغرب عوالمه الغرائبية, ولكن ماإن تتقلب بين صفحات روايته الكترونيا أو ورقيا, ستستعيد تلقائيا الكثير من جمله التي لاتنسى.. هكذا ستعلق في ذاكرتك جملته التي تناقض الانسحاب من الحياة: (يجب أن تنظر, وهذه قاعدة أخرى من قواعدنا. اغماض العينين لن يغير شيئاً, لا شيء سيختفي لمجرد أنك لا تريد أن تراه, بل ستجد أن الامر ازداد سوءاً في المرة التالية التي تنظر فيها, هذا هو العالم الذي نحيا فيه, أبق عينيك مفتوحتين على وسعهما. الجبان فقط هو من يغمض عينيه. اغماض عينيك وسد أذنيك لن يوقف الزمن)..‏

انتقالك الى روايات الكاتب الفرنسي غيوم ميسو.. يجعلك تعيش نقلة بين العالمين يتشابهان في الماورائيات فقط..!‏

ربما أكثر ما يمتعك في رواياته, ليس التشويق, وملاحقتك اللاهثة للأحداث, او رومانسية حكاياه, بل تلك النهايات التي لاتتوقعها..!‏

فهمك لعوالم ميسو يجعلك تتوقع في روايته «فتاة من ورق» ان يلتقي بفتاته العارية.. المبللة التي ظهرت على شرفته.. في عزّ ليلة ماطرة ليسألها (من أنتِ؟ سألتُها وأنا أقترب متفحصاً إياها من أعلى إلى أسفل, لقد سقطت, سقطتِ من أين؟.. سقطتُ من كتاب.. سقطتُ من حكايتك, هكذا..)‏

تحايله بطلة روايته وهو القابع في ظل الحزن, بعد أن خرج مهزوما من قصة حبه, فيحب فتاته الورقية بيلي, إنها جميلة ويائسة, يتهددها الموت إن هو كفَّ عن الكتابة, يتلاعب بنا الكاتب غيوم ميسو عبر العلاقة بين الكاتب طوم وفتاته الورقية.. لنشعر كيف يمكن لحياة المرء أن تتوقف على التعلق بكتاب..!‏

وانت تنتقل بين روايات «ميسو» تلاحقنا كلماته وقد نؤمن بها آنيا كما فعل بنا حين تحدث عن هشاشة المشاعر.. » إن الروابط تعقد وتنفرط, هذه هي الحياة.ذات صباح, يظل واحد ويرحل الثاني, من دون أن نعرف أبداً لماذا, لا أستطيع منح كل شيء للآخر, وسيف داموقليس ذاك معلق فوق رقبتي. لا أريد بناء حياتي على المشاعر لأن المشاعر تتبدل, إنها هشة وغير أكيدة»‏

تناقض مدهش ينقلك بين اليقين.. واللايقين.. يزعزع ثبات فكرك الهش.. او عواطفك المتناقضة.. بين رواية وأخرى يعيد صياغتك على مهل.. دون ان يتقصد من كل ما يكتبه سوى امتاعنا ولكنها المتعة الخالصة التي تتمكن افكارها من تملكك..!‏

الكاتب التركي اورهان باموق يختلف عن كلا الروائيين.. انه يجبرك على التخلي عن كل شيء حين تقرأه.. انت لاتحتاج الى فناجين قهوة فقط, تعينك على التركيز.. أنت تحتاج الى صمت تام, والى عزلة.. علك تفهم سر روايته «الحياة الجديدة»التي صرح يوما انه يعتقد ان قلائل فهموها..!‏

عندما تقرأ باموق, تشعر انك تقرأه وتراه وتشعر به وبأسرته.. كما فعل, في رواية اسمي احمر, لم يدخل الكثير من شخصيته وحياته فقط, بل واستخدم اسمه ووقائع عديدة من حياته بشكل مباشر, فعشنا مع تشابه بين الاسرتين الواقعية والروائية, من خلال الأسماء «شكورة- الأم, شوكت- الأخ الأكبر, أورهان- الأخ الأصغر»....‏

في روايات كثيرة يعيدك باموق الى اشكالية العلاقة بين الغرب والشرق, والتي بسبب تعاطيه الابداعي المختلف معها, نال جائزة نوبل, تناول هذه العلاقة في رواياته «القلعة البيضاء» و«الحياة الجديدة» و«اسمي أحمر» وتعاطى مع المحور في كل رواية بشكل ابداعي مختلف.. قد يمضي وقت طويل وأنت تقرأ سطور رواياته, قبل أن تكتشف انه يقيم سر العلاقة بين الغرب والشرق..!‏

حين تصل في رحلتك الروائية الى محطة الروائية البلجيكية اميلي نوتومب, وما أن تطأ أول جملها, حتى تتقافز الافكار سريعا, تود أن تنتهي منها لتنطلق باتجاه رواية اخرى علك تفهم سر السحر الذي تقدمه لك.. لا اتذكر حاليا اسم الرواية الاولى التي قرأتها للكاتبة البلجيكية «اميلي نوتومب» حين يخطط احد الركاب لتفجير الطائرة ويفعلها..!‏

ولكني أتذكر تماما تلك الفتاة في روايتها «ذهول ورهبة» التي قرأتها منذ اكثر من خمس سنوات, تلك الفتاة البسيطة ايميلي التي تعمل في إحدى الشركات اليابانية, معتقدة ان بإمكانها أن تفعل شيئا في بيئة صارمة لاتتمكن فيها من قمع روحها وارادتها الحرة..!‏

ولا زالت تصاحبني حالة من التقزز والغثيان.. كلما تلفظت باسم روايتها «نظافة القاتل» تلك الرواية التي قوامها حوار سوداوي مع «بريتكستا طاش» روائي, يحتضر ويحاول أن يناقش حياته طيلة 66 عاما.. لنعرف انه قاتل, اكتشاف تقوم به احدى الصحفيات, التي تتحول الى وحش آخر.. اشد فظاعة وقسوة من الروائي نفسه..!‏

في روايتها «بيبوغرافيا الجوع» تتحدث الروائيةعن أرخبيل أوقيانوسي, الذي يصاب سكانه بالتخمة, بسبب وفرة الطعام, نقلب صفحات الرواية الى أن نصل ان الجوع الحقيقي الذي يفرغ النفس من معناها, جوع قد يرمي بنا الى حب لانهاية له..!‏

أتذكر انني كنت هادئة جدا.. رصينة وأتمتع بملامح جادة-عميقة.. حين أقبلت على قراءة روايات الكاتب الفرنسي ميلان كونديرا, ماان انتهيت من قراءة بعض رواياته حتى غادرتني جديتي..!‏

لم يعينني كونديرا على اعادة ترتيب افكاري, بقدر ماسحبني الى عالم تأملي- ساخر تارة, تراجيدي تارة اخرى.. فيه سر يجبرك على تأمل الوجود, سواء في روايته كائن لايحتمل الخفة أو الزهير.. المزحة.. الخيميائي..‏

كل مافي كلماته يرغمك على اعادة التفكير بما حولك, وعلى اكتشاف ذاتك وأنت تكتشف عوالمه, تعيد عبرها اكتشاف عوالمك, هواجسك, يجعلك تعيد التدقيق.. في كثير من الاشياء التي مرت بك, بتفاصيل اعتقدتها هامشية.. ولكن الادب يجعلها جواهر براقة.. تلتف حول حياتك لتعطيها معنى..‏

بعض رواياته كما في «كائن لاتحتمل خفته»تجعلك تشعر انك تطير مع كلماته, في الفراغ..‏

ولكنه فراغ روائي.. يحمل الف معنى ودلالة.. فراغ يتأرجح بك بين الجدية والسخرية, تبدأ الحكاية بمزحة, بدعابة.. تعيدك الى الواقع, ومن ثم تسحبك منه, كأن كونديرا يحاول مساعدتنا على الخلاص من ثقل واقعية عالمنا بالمزاح والفكاهة, هكذا ننزاح عنه بخفة.. ونحن نقلب صفحات قصصه «غراميات مضحكة»وقد ندرك مع العاشق بعد لعبة دخلها مع حبيبته التي تحررت من خجلها, انه لم يتبق له منها سوى جسد تتشابه فيه مع كل النساء.. اللواتي عرفهن سابقا.. لندرك معه في خاتمة القصة ان اللعبة غيرت الطرفين الى الابد..!‏

في روايته حفلة التفاهة.. لايمكنني أن أنسى جملته على لسان بطله رامو «أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم, ولا تغييره إلى الأفضل, ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة. ألا نأخذها على محمل الجد»..‏

بإمكانك المتابعة الى مالانهاية تذكر عوالم وابداعات الروائيين. وكلما تعمقت اكثر كلما زاد استمتاعك, وفهمك للحياة, وانت تنتقل بين قراءتك.. كأنك في قطار سريع يلف بك العالم, على متنه كل ماتشتهي, انت العاشق للسفر بين الكلمات و المدن.. بدون تلك الكلمات حتى لو كنت في ابعد نقطة.. ستشعر بأنك في مكان موحش..‏

في القراءة تتلاشى الصغائر.. تذوب كليا, وأنت مع الكتاب.. تشفى روحك, يتوقد ذهنك, تتبدل ملامحك الكئيبة.. كأنك في خدعة سحرية....‏

منذ الآن.. ونحن على وشك ان نفتتح معرض كتبنا بدورته الثلاثين الاعتيادية, والثالثة في أزمتنا..‏

اتخيل أي الاوقات سأختارها لأتجول في ردهات مكتبة الأسد.. وهي تحتضن كتباً اجتهد صناعها في اختيارها لتمدنا بكل جديد, وفكروا طويلا في الكيفية التي تمكنهم من جذب زوار يتمنون الا يفتر شغفهم يوما بالقراءة..‏

أتخيل كيف ستتمكن مكتبة الاسد من اقتلاع صمتها خلال أيام عشرة.. ننتظرها ان تكون مهرجانا حقيقيا للقراءة.. والثقافة..‏

ننتظر المعرض.. بكتبه الروائية والنقدية.. ومسرحياته وأجوائه.. عله يكون فرصة لنا لنفض غبار الروتين المتغلغل في حياتنا.. وعله يفتح كياناتنا الى اتساع لانهائي, ويبعد ترهل أرواحنا المسكونة بالخيبة.. ويجعلنا نقفز كأبطال الحكايات والروايات نحو حياة كل لحظاتها لاتضاهى.. ترمي بالخيبة بعيدا عن دروبنا..!‏

soadzz@yahoo.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية