تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


القمر الدامي

إضاءات
الأحد 29-7-2018
د. ثائر زين الدين

ما أدركَ القمرُ وهو يسكبُ فضَّتَهُ الصافية على بادية السويداء الشرقيّة ما الذي تفعلُهُ تلكَ المخلوقاتِ المدجَّجةِ بالحقدِ حتى أسنانها وهي تَجْرَحُ طُرقَ البادية مُتَّجِهةً غَرْباً، غضَّ بصره عنها وقد أزعجتْهُ رؤية أسمالها القذرة التي تفوح منها روائحُ العفونةِ، ومناظِرُ شعورها الكثّة التي تَسْرَحُ فيها دويّباتٌ غريبةٌ اعتادتِ الدم الفاسد...

سَرَحَ بَصَرَهُ غَرْباً، فابتسَمَ لمنظر القُرى النائمة.. المطمئنّة: العجيلات، والشريحي، والشبكي، ودوما، ورامي، والمتونة، والسويمرة وغيرها.. ولامست أنفَهُ الدقيق الروائحُ المتصاعِدةُ من حقولها الخضراء، وشوارعها النظيفة..‏‏

ومَيَّز ما تَصاعَدَ منها من مضافات الدور الهيل والقهوة المُرّة.. ثُمّ شَدَّتهُ روائِحُ القرنفل والمَحْلَب وجوزة الطيب وهي تتعالى من ملاءاتِ ومفارشِ غرف النوم.. وغيرها... أسبَلَ جفنيهِ برضى... ثُمَّ ارتعشَ فجأةً وفتحها بقوّة.. حتى أن بعض الشبان الذين يسهرونَ فوقَ قمّةِ القليب أحسّوا بوميضِهِ الغريب؛ لكنّهم لم يفهموا كنهَ الأمر.. فللقمرِ قوانينُهُ الخاصة.. ارتجفَ من جديد وخَمّنَ أن تلك القطعان المفترسة التي تتسلَّلُ من البادية تضمُرُ شَرّاً للقُرى الغافية على أحلامها.. لكنّه لم يستطع أن يَفْعَلَ شيئاً... إلا أن يكْفهرَّ وتعلو وجهَهُ الصُفرة! في مكان آخر، وداخل مدينةِ السويداء نفسها كان مجموعة من البرابرة قد تمنطَقوا بأحزمةٍ جهنميّة، وتسللوا بين جُدران الحاراتِ القديمةِ.. التي سار فيها ذات يوم كبار شعراءِ وموسيقيي اليونان والرومان والأنباط والغساسنة..‏‏

وفي لحظةٍ واحدةٍ مُتَّفَقٍ عليها، يُفجِّرُ هؤلاء البرابرة أنفسهم، فيجدونَ من عشاق الحياةِ، من يرمي بجسدهِ عليهم كيامن أبو عاصي ليردَّ الموت عن أهلِهِ، وتدخُلُ قطعان الموت المفترسة، تلكَ القُرى الغافية على الكرمِ والمحبّة فتُعمِلُ خَنَاجرها ورشاشاتها في الأجساد الغضّة الطيبة لا تميّزُ بين طفلٍ وامرأةٍ وشيخ... ويتصدّى محبّو الحياة لتلك القطعان يذودونَ عن قُراهم وبلداتهم ويسقطُ كوكبةٌ من أبطال آل مقلد.. وآل صعب والجباعي والشاعر وأبو عمّار وغيرهم بالعشرات، ثمّ ما هي إلّا دقائق حتى يهبّ أبناء الوطن من أقصاه إلى أقصاه و(تفزعُ) الأبطال ويمتزجُ الدم الطاهر لعائلات الجبل كلها.. مع دماء أهل تلك القرى.. ودماء أبطال الجيش العربي السوري الذين وصلوا إلى المنطقة لرد جحافِلِ البرابرة...‏‏

اصطبَغَ وجهُ قمر السويداء بالدم.. قبل أن يرحَلَ مبتعداً، وقد أشرقتِ الشمسُ لتكشفَ بخيوطها الحزينة عُمقَ المجزرة.. ما يزيدُ على مئتين وثلاثين شهيداً وشهيدة.. وعشرات الجرحى.. كان على السويداء إذاً أن تدفَعَ ثمن موقفها الوطني الراسخ، الذي تجسَّدَ في حرص أبنائها على وحدةِ ترابِ وطنهم السوري، وسيادتِهِ، ورفضِهِ للفكر التكفيري والمذهبي والمناطقي والهويّات القاتلة بأشكالها... كما دفعه السوريون كلهم.‏‏

لكن السويداء ستتسامى على جراحها كما فعلت حلب وحمص ودير الزور وستخرجُ أقوى وسيردِّدُ أبناؤها كما فعلوا يوم ساروا خلفَ سلطان الأطرش: (بالروحِ نفدي وطنّا... لو صاحِ صوت المنادي .. بالروحِ نفدي وطنّا)...‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية