تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ومـــن الـجـنـــــوب تـهــــلّ الـبـشـــــائــــر

دراسات
الثلاثاء 17-7-2018
د: أحمد الحاج علي

لطالما تأكدت هذه المتلازمة ما بين سورية وجنوبها حتى لكأن سورية الوطن والتاريخ والموقف تكثفت وترسخت في الجنوب عبر معطيات المواجهات والميادين وأساليب القتال وعمق الخبرة وتوهج الإرادة

وهذه جميعاً من سمات وقيم الوطن السوري تاريخياً وفي الاتجاه الآخر انتشر الجنوب بمعالمه الراهنة في إرادة التحرر من الإرهاب وإدارة المعارك فيه ومنه ، انتشر هذا الجنوب ليصبح سورية العربية كلها ، وهذا ما شكل أساس المفاجآت الكبرى التي يشهدها العالم عدوه وصديقه على حد سواء ، ولم تأت هذه المتلازمة بالمصادفة أو أنها جاءت تعويضاً من حالة أريد لها منذ بدء العدوان على سورية أن تكون مستقرة ومستمرة في الجنوب السوري ،‏

كانت تلك الأيام المرة اغتراباً في لحظات غائمة وعائمة وهذا ليس موضع البحث فيه الآن ، إن الزمن القادم على المستوى العالمي سوف يحمل معه هذه الخاصية في تحليل تلك اللحظات العائمة وفي أصولها ستخرج دراسات كبرى وكثيرة تبحث في قصة الإرهاب بكاملها وفي قصة البدء بالحالة الإرهابية على سورية من الجنوب ومصطلح الجنوب هنا ثلاثي الأبعاد جغرافي وديمغرافي وتاريخي ، وقد اجتمعت فيه هذه العناصر الثلاثة في حالة تكاد تكون نادرة‏

ومن هنا نرى أن المزايا الأساس في الجنوب تمثلت في كونها خزان حضاري عميق الأغوار ومنتشر المظاهر في كل أنحاء هذا الجنوب الذي يمتد من حرمون وقاسيون شمالاً إلى عجلون جنوباً ومن مرتفعات الجولان غرباً إلى جبل العرب شرقاً وعبر هذه الإحاطة الجغرافية سوف نكتشف العمق الحضاري التاريخي في هذه المنطقة وعلى سبيل المثال فإن منطقة اللجاة التي حررها الجيش العربي السوري يثوي في أعماقها وعلى سطحها سبعة مداميك حضارية ومازالت أوابدها في كل اللجاة شاهداً على ذلك وهناك من الأوابد والكتابات والمعالم التي مازالت قائمة حتى الآن ومن النصوص التي تؤرخ للعمارة وللثقافة والأدب والسياسة ما يؤكد بأن نظرية تونيبي ليست صحيحة في أن خط سير الحضارة هو من مصر جنوباً إلى سورياً شمالاً ،‏

إن كل المؤشرات والمؤثرات التاريخية وما هو موثق ومكتوب يؤكد أن خط سير التأثير الحضاري هو من سورية الجنوبية إلى مصر الشقيقة والمبحث طويل ويكفي أن نتذكر بأن الجنوب السوري هو الذي قدم لسورية بكاملها وللامتداد فيما بعد إلى الشمال والأناضول الإسلام الذي بدأ إشراقته من سهل حوران تماماً كما قدم الجنوب التجربة الحضارية الغسانية وقد جمعت الأصل العربي والنقاء الديني وكان خير مثال في تفاعل الغساسنة المسيحيين الحوارنة مع رواد الفتح الإسلامي كما قادهم خالد بن الوليد هو في الجنوب السوري أي في حوران وما جاورها ومؤشر آخر هو موقعة اليرموك والتي سيستحضرها التاريخ الراهن خلال الانبعاث القديم في معركة اليرموك ودحر الاستعمار الروماني من الجنوب السوري ومن كل الأرض العربية ،‏

ونعلم تماماً أن الوطن الذي أبدع يرموك القديمة سوف يبدع بمعدلات أعلى وأقوى اليرموك الراهنة ضد داعش وما يتصل بداعش ومن هم في حكم داعش ، لعلنا هنا نستذكر قولة مهمة للراحل والمؤسس حافظ الأسد إذ يقول إن الشعب الذي انتج تشرين التحريرية قادر على إنتاج تشارين جديدة لا تنضب ، والمهم في الأمر هو استدعاء الماضي إلى الحاضر وإسقاط الحاضر على المدنيين الماضي والمستقبلي ، وأستطيع إطلاق هذه القاعدة بأن الجيش الذي حرر اللجاة وهي الخزان الحضاري ومنطقة المعاصي الخطيرة جغرافياً وذات المساحة الهائلة والتضاريس الصعبة ، هذا الجيش لن تستعصي عليه أية منطقة يطالها التحرير الوطني المشروع في سورية وفي الوطن العربي عموماً ولسوف تدرس هذه الحالة في اللجاة وفي درعا البلد والكرك والمنشية والجمرك القديم ، سوف تدرس في كل مؤسسات العالم البحثية ويتم بصورة متواترة استخراج عوامل نصر وإدارة المعارك كما يحدث الآن ،‏

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار طبيعة وخصائص المجتمع السوري في الجنوب وما تأكد من هذه الخصائص عبر الولاء والوفاء الوطني وتفتح الذهن والعقل والقلب والرد على الاستعمار الخارجي والقابليات العميقة في احتضان العقائد المتبلورة والوفاء الوطني واعتناق الشهادة والشهداء كمبدأ دائم في حياة هذا الجزء الغالي من الوطن الحبيب ، سوف نكتشف عندها بأن أرض سورية رويت بدماء أبناء الوطن كله في جنوبها ، كان هذا الجنوب هو ميدان المعارك الرهيبة ضد العدو الصهيوني وهنا وحد الجنوب مثوى الشهداء واحتضن الغوالي والقمم من كل أرجاء الوطن السوري وبلاد الشام والوطن العربي عموماً ،‏

ونتذكر هنا بأن القائد المؤسس حافظ الأسد أطلق على هذا الجنوب مصطلح (الثغر) مستفيضاً في شرحه أمام وفد حوراني في أواخر السبعينيات من القرن الماضي بالتقاط مقومات التماثل وموجبات الدور المصيري ما بين حوران الثغر ودولة الحمدانيين في حلب بقيادة سيف الدولة الحمداني ، ويكرس الرئيس القائد بشار الأسد هذه الفكرة بطريقته لوفد حوران وعبر كلمة رسمية في مجلس الشعب بأن حوران وسورية كلها تشترك وتتوحد في في مسؤولية الرد على الإرهاب وتدميره وتحرير الأرض والإنسان من سمومه وخفاياه وأحقاده ، أردت أن أجمع ما بين الجذر التاريخي وهو مشرف وإرث ثابت لكل فرد في الجنوب ولاسيما في مواجهة الغزو الخارجي وبين المخزون الحضاري المادي والمعنوي الذي تختزنه هذه المنطقة بأمانة وحنو وإدراك مبدع في كيفية التعامل مع هذه المظاهر التاريخية ، عندها سوف نستفيد من ذلك في تفسير قصة بدء العدوان من (أذرعات) لماذا اخناروا ذلك ، ما الذي أعدوه لهذا الموقع ولهذه البوابة الخطيرة ثم نمضي وإن بمرارة وألم لنكتشف الآن أن الجنوب السوري استعاد وعيه وذاته وكان بانتظار كل الوطن العربي السوري لكي يؤدي الرسالة وينبعث متمرداً على هذا النحو وهذا هو فصل الخطاب ومن الجنوب دائماً تهل البشائر .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية