تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


قمة هلسنكي.. هل يصلح «العطار» بوتين ما أفسده جشع ترامب..؟

الثورة
دراسات
الثلاثاء 17-7-2018
عبد الحليم سعود

على وقع الاهتمام العالمي الكبير بالقمة التي جمعت أمس الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب في العاصمة الفنلندية هلسنكي يتساءل الكثيرون ما هو مستقبل العلاقات بين القطبين العالميين

في ظل تباعد المواقف في العديد من القضايا المطروحة والأزمات المشتعلة على المسرح الدولي ووصول العلاقة إلى أدنى مستوياتها في خمسين عاماً، وهل يستطيع الرئيسان في لقاء كهذا سبق أن تكرر أكثر من مرة منذ وصول ترامب للبيت الأبيض طيّ مرحلة طويلة من الحرب الباردة بينهما، وتدوير الزوايا للوصول إلى تفاهمات قد تفضي إلى انفراجات ربما تنعكس بشكل إيجابي على الأمن والسلم والاستقرار في العالم.‏‏

ليس من الحكمة التعويل كثيراً على قمة هلسنكي كي تصلح ما أفسدته الإيدولوجيا وسياسة المحاور والمصالح المتضاربة بين الدولتين العظميين منذ الحرب العالمية الثانية، وإن كان اللقاء في حد ذاته مناسبة جيدة لاحتواء الخلافات وإذابة بعض الجليد المتراكم في مفاصل العلاقة بين الطرفين، وبثّ القليل من الحرارة فيها للحيلولة دون المزيد من التدهور والتفاقم لأن من شأن المزيد من التوتر والقطيعة بينهما دفع الأمور باتجاه ما لا يحمد عقباه، وقد عانت الكثير من مناطق العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط جراء العلاقة المتوتر بين واشنطن وموسكو.‏‏

رغم التحضيرات الجيدة التي سبقت القمة والأصداء الإيجابية التي تزامنت معها إلا أن نقاط الافتراق والتباعد كثيرة وقد أجمع الكثير من المحللين على أن هناك العديد من الأسباب تحول دون تحسين العلاقات بين الطرفين بسرعة، ولاسيما أن واشنطن لاتزال تفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية ضد روسيا وتتبنى مواقف سلبية تجاهها وتتحداها في بعض الملفات وتحاول إفشال مساعيها لحل الأزمات في كل من سورية وأوكرانيا ومع إيران بشأن اتفاقها النووي.‏‏

وقد أضاف ترامب عقدة جديدة إلى هذه العقد خلال قمة الناتو الأخيرة عندما طالب بتعزيز قوة الحلف الذي يعادي روسيا ويحاول الاقتراب من حدودها، وأرغم دول الحلف على زيادة نفقاتها العسكرية بنسبة اثنين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا بالطبع موجه نحو روسيا ويستهدفها بشكل مباشر.‏‏

إلى جانب ذلك فإن إدارة ترامب نفسها تكره روسيا وفيها مسؤولون يعتبرونها خطراً جيوسياسياً واستراتيجياً، وهناك من يتهمها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 ويحمّلها مسؤولية كل ما يجري في العالم من حروب وشرور، وثمة اتهامات لروسيا في مجال الحريات وحقوق الإنسان وحملات إعلامية لا تتوقف عن بث الكراهية بشكل مستمر ضد روسيا محاولة شيطنة الرئيس بوتين وقراراته وأفعاله.‏‏

ثمة خلافات أيضاً بشأن إنتاج النفط وأسعاره العالمية وهو موضوع حيوي بالنسبة لروسيا لأنه يؤمّن حوالي نصف ميزانيتها، ويلعب ترامب الصديق لشركات النفط الأمريكية دوراً سلبياً من خلال الدعوة لزيادة الإنتاج في أميركا وبلدان أخرى حليفة لها وهذا من شأنه تخفيض الأسعار في الأسواق، والإضرار بمصالح روسيا.‏‏

على المقلب الآخر ثمة من يرى أن روسيا مهمة لأميركا وهي تؤثر في مصالحها في جميع أنحاء العالم، فلروسيا مثلاً حدود مع أوروبا والشرق الأوسط وآسيا- هذه المناطق لها أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة. لروسيا كما للولايات المتحدة مصالح حيوية في القطب الشمالي، ولذلك فإن تكثيف وتمتين التعاون مع روسيا سيفيد الولايات المتحدة في حل المشكلات الدولية مثل محاربة الإرهاب ومشكلة الاحتباس الحراري وانتشار السلاح النووي.‏‏

ويرى الكثيرون أن واشنطن اليوم هي أحوج ما تكون لموسكو نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بعلاقات واشنطن مع حلفائها على خلفية الحرب التجارية التي يشنّها ترامب ضدهم والتي دفعتهم للتوجه نحو الصين واليابان، ولعل أبرز ما يخشاه حلفاء واشنطن، وخاصة الأوروبيين أن يسعى ترامب لإصلاح العلاقة مع روسيا وهو الذي ألحق ضرراً كبيراً في العلاقات بين روسيا وأوروبا بسبب إملاءاته على القادة الأوروبيين، ولكن من يضمن أن ينفّذ ترامب أيّاً من تعهداته لبوتين في القمة بعد أن أخل بمعظم تعهدات واتفاقات واشنطن مع الدول الأخرى.‏‏

يوصف ترامب القادم من عالم الأعمال والعقارات بأنه رجل الصفقات بامتياز، ما يجعله بعيداً جداً عالم السياسة وأدبياتها وأقرب الى مبدأ المكيافيلي القائل «الغاية تبرر الوسيلة» وبالتالي يمكنه القفز عن أي اتفاق يوقع عليه أو تعهد يطلقه إذا كان في ذلك مصلحة له أو أمن له صفقة مربحة، كما جرى العام الماضي مع عدد من دول الخليج حين تجاوز كل مواقفه السلبية من السعودية مقابل صفقة تسلّح تجاوزت 500 مليار دولار.‏‏

ولكن إنجاز الصفقات وتكوين الثروة عن طريق العمل في العقارات والمقاولات شيء كما في حالة ترامب، وتحقيق الإنجازات في عالم السياسة ولا سيما الدولية منها كما هي حالة بوتين شيء آخر، وعليه لا يمكن توقع الكثير من قمة هلسنكي، إلا أن الشيء المؤكد أن العالم سيكون أفضل مع روسيا القوية والقادرة على كبح جماح التوحش الأميركي الذي يعبر عنه ترامب أصدق تعبير، وإذا لم يكن هناك إمكانية لإصلاح ما أفسده ترامب حول العالم خلال الفترة الماضية، فلا أقلّ من أن يحاول الرئيس بوتين في قمة كهذه وقمم قادمة إعادة إدارة ترامب إلى رشده لأن مزيداً من عودة روسيا إلى مسرح أحداث العالم كقطب جديد يعني منع أميركا من الاستفراد بالعالم وتمرير أجنداتها التخريبية، والقمة بحدّ ذاتها تعني فيما تعني أن أميركا لا تستطيع قيادة العالم بمفردها.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية