تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


كره وسياسة وفيسبوك

إضاءات
الثلاثاء 17-7-2018
سعد القاسم

إثر هزيمة المنتخب الانكليزي أمام نظيره الكرواتي في التصفيات النهائية لمونديال موسكو كتب أحدهم على صفحته في الفيسبوك:

«خسر سايكس اليوم وإن شاء الله يلحق به بيكو»، ليختصر بهذا التعليق جذر المشاعر العامة التي تجعل الجمهور (السوري على الأقل) يشجع بحرارة منتخباً كالمنتخب الكرواتي لا يكاد يعرف شيئاً عنه، ولا عن بلده، لا حباً به وإنما كرهاً بالمنتخب الخصم الذي يراه ممثلاً لدولة يحفل تاريخها بالعداء.‏

ويبدو أنه في مباريات كرة القدم على وجه التحديد يصعب فصل السياسة عن الرياضة بسبب شعبية اللعبة، وتتجلى أكثر الأمثلة وضوحاً في علاقة الجمهور السوري، والعربي، مع المنتخب الفرنسي، خلال ثلاثة (مونديالات)، ففي مونديال فرنسا عام 1998 كانت فرنسا تتخذ مواقف سياسية عادلة، إلى حد ما، تجاه قضايا المنطقة، فلما فاز منتخبها بكأس المونديال احتفل السوريون بهذا الفوز أمام السفارة الفرنسية بدمشق، وبعد ذلك بثماني سنوات وفي مونديال ألمانيا 2006 وصل المنتخب الفرنسي إلى المباراة النهائية ليواجه المنتخب الإيطالي، وكانت السياسة الفرنسية قد بلغت أقصى درجات العداء ضد سورية، فوقف السوريون بحماسة منقطعة النظير إلى جانب المنتخب الإيطالي، ولا أنسى تعبير الاستغراب على وجه أديبة سورية مرموقة ذات ثقافة فرنسية رفيعة، وهي ترقب قبيل انطلاق المباراة النهائية في مونديال 2006 جموع الشباب المتجهين إلى المقاهي لمتابعة المباراة حاملين العلم الإيطالي، فلما فسر لها أحدهم السبب بسياسة (شيراك) المعادية للسوريين وذكرّها كيف أنه قبل تحول سياسته إلى هذا المنحى احتفل السوريون في الشوارع بفوز المنتخب الفرنسي بالمونديال قبل ثماني سنوات، أجابت بما يشبه الاستهجان: «لقد نال في استبيان الرأي في فرنسا أدنى نسبة حصل عليها رئيس في تاريخها»، لكن هذه النسبة لم تكن لتعني الجمهور السوري، ولم تمنع اللبنانيين أيضاً من الانحياز للمنتخب الإيطالي، و من ثم الاحتفال بفوزه في شوارع وساحات بيروت. خاصة بعد أن تم تعميم الكثير من المواقف الإيطالية الشعبية المؤيدة لعدالة القضايا العربية على مواقع الانترنيت.‏

أما في مونديال روسيا الأحدث فكرهاً بالسياسة العدائية الفرنسية تجاه سورية شجع الجمهور السوري بحرارة - كما سبق- منتخباً لا يكاد يعرف شيئاً عنه، ولا عن بلده، إلا الحكايات التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي عن كرواتيا، وعن رئيستها الجميلة التي أضحت نجمة المونديال بلا منافس.‏

في حكايات وسائل التواصل الاجتماعي التي تنتشر كالوباء إشادة لا تنتهي بتلك الدولة الضعيفة الموارد التي لا يصل عدد سكانها إلى خمسة ملايين، والتي تواجه بمشقة مشاكل اقتصادية حادة، وفي موازاة ذلك حكايات أسطورية تبلغ أعلى درجات الإعجاب بالرئيسة الجميلة الشابة، عن بيعها للطائرة الرئاسية، وموكب السيارات الفخمة، وعن تخفيض راتبها ورواتب كبار الموظفين، وإيداع المبالغ التي توفرت لقاء ذلك في المصرف الحكومي لتسديد جزء من الديون الهائلة المترتبة على هذه الدولة الصغيرة، لكن أياً من تلك الحكايات الوردية لا تتحدث عن أسباب المديونية الهائلة التي تنهك هذا البلد الصغير، ولا عن السبب الذي جعل منه أساساً بلداً صغيراً. وقلة منها تتوقف عند حقيقة أن الرئيسة لا تملك، دستورياً، الصلاحيات التي تسمح لها بتحقيق الكثير مما قيل من إنجازاتها.‏

تذكر إحدى أكثر الموسوعات انتشاراً على الانترنيت أن كرواتيا شاركت في تأسيس المملكة اليوغسلافية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى نهاية عام 1918، وبعد الحرب العالمية الثانية أواخر عام 1943، أصبحت كرواتيا عضواً مؤسساً ومكوناً لجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية. وفي عام 1991 أعلنت كرواتيا استقلالها،وقد خاضت كرواتيا حرب الاستقلال بنجاح خلال السنوات الأربع التي أعقبت إعلان الاستقلال. هذا ما تذكره الموسوعة أما ما لا تذكره الموسوعة، وشقيقاتها، أن ما تصفها بحرب الاستقلال هي في واقع الحال حرب أهلية أشعلها الغرب على أسس عرقية وطائفية ومذهبية وأدارها حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة، وأتبعتها بحرب شرسة مدمرة خاضها مباشرة واستخدم فيها أحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً، بغاية إضعاف وتفتيت الدولة الاتحادية، وتمزيق روابط المواطنة بين سكانها المتساوين في الحقوق. وما تتجاهله الموسوعة أيضاً أن رئيس تلك الدولة الاتحادية كان من كرواتيا نفسها، وهو الزعيم الوطني التاريخي جوزيف بروز تيتو، أحد أقطاب ومؤسسي حركة عدم الانحياز، والذي عرفت يوغسلافيا في عهده مكانة عالمية مميزة واقتصاداً مستقراً متحرراً من الديون، وحين نجح الغرب في مخططه التفتيتي وحوّل الدولة الاتحادية إلى مجموعة من الدول الصغيرة رتبّ عليها ديوناً هائلة هي نفقات العمليات العسكرية الإجرامية التي ارتكبها ل(تحرير) تلك الدول!!‏

كرواتيا التي حظيت بتعاطف كبير خلال مونديال روسيا بفضل أداء منتخبها، والحضور الذكي لرئيستها، هي ضحية أخرى للهيمنة الغربية، ونموذج آخر للنفاق الإعلامي الغربي.‏

https://www.facebook.com/saad.alkassem

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية