تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


القيم اللونية والموسيقا

ملحق ثقافي
2018/7/17
في القصيدة، القصيدة الحقيقية، تنهمر موسيقى النهر والعصافير وتتزاحم أصوات الطبيعة، ويمكن أن يشرع الإنسان في التجول في هذه الطبيعة، وهو يمسك يد حبيبته،

ويسيران تحت الظلال، ويدوسان بقع الضوء المنسلة من بين أوراق الأشجار.‏‏

في اللوحة التشكيلية الجميلة، تخرج موسيقى من بين الأشجار ونسمع خرير جدول صغير يعبر قرية صغيرة، وتتكئ على ضفته فتاة عاشقة، تنظر إلى البعيد، إلى حبيبها الذي وعدها بالعودة.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

لماذا هذا اللون بارد، ولماذا ذاك حار؟‏‏

لماذا لم تكتف اللغة التشكيلية بمفرداتها، وأخذت من مفردات الوجود الحسية؟ أليس اللون إحساس؟‏‏

الأحمر للعاطفة والقوة، والأخضر للأمل، والبنفسجي للطهارة، وهكذا. وإن الانسجام بين الألوان، هو الذي يؤلف سيمفونية اللون في اللوحة، ومن دون هذا الانسجام، ستظهر اللوحة بلا معنى.‏‏

يبتهج ووردزوورث بالطبيعة، ويعترف أن حياته تسري في الطبيعة، في مفرداتها من أشجار وأزهار وسحب وعواصف. إنه يستمتع بالروح الكامنة في الحياة، وإذا لم يجدها، فإنه يخلقها، من خلال تأمل الطبيعة، وتحويل أشجارها وأزهارها إلى كائنات تحس وتحلم وتتألم. وهذه الأزهار وتلك الظلال تتحول في لوحة فان كوخ إلى قصيدة شعرية مفعمة بموسيقا تلهب المشاعر. يتمكن كوخ من نقل مشاعره بواسطة اللون إلى المتلقي، فتترجم بكلمات وموسيقا، وألحان خالدة.‏‏

في بداية القرن العشرين، بقي ماتيس يتردد على ناد ليلي لمراقبة الرجال والنساء وهم يؤدون رقصة «الفاراندول» متشابكي الأيدي ويدورون بشكل حلقات. وفي النهاية رسم لوحته «الرقصة»، التي استلهمها من الموسيقى التي كانت تعزف والناس يرقصون. كان يرسم ويردد اللحن، فجاءت اللوحة متناغمة في إيقاعها اللوني والحركي. إن اللوحة تعبق بالفرح الراقص وبوله الأجساد بالحياة وبالمتعة. لا شيء أكثر واقعية من هذه اللوحة، ولا شيء أكثر مدعاة للخيال وتحفيزاً للمشاعر.‏‏

أما سيزان، فقد كان مذهولاً بالطبيعة، لدرجة أنه لم يتجرأ على القول إنه يقدر على رسمها، وقد قال: «أنظر إلى تلك السحابة، ولكم أتمنى أن أكون قادراً على تصويرها، ولو كان مونيه حياً، لاستطاع ذلك، لأنه كان يتمتع بالقدرات الكافية». رغم أن المتتبع لفن سيزان، يدرك أن لوحته «جبال سان فيكتوار»، تحمل القدرة على الغوص في تفاصيل الطبيعة وعلى نقل مشاعره إلى المتلقي بحرفية عالية. وما كان هذا ليحصل، إلا لأن سيزان كان يتخيل الألوان كائنات معرفية عظيمة، وأفكاراً حية، وكائنات عقلانية خالصة؛ كما يقول هو.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

وفي لوحته «خليج أستاك» تبرز مشاعر الانسجام التام مع الطبيعة الخلابة، حيث تتكئ البيوت على بعضها وتنساب برفق على حافة البحر، وكأنها تستلقي بارتياح كبير، فيما ينطلق دخان مدخنة، ويشكل جزءاً من مياه الخليج الساكنة والوادعة. كل شيء في اللوحة يشكل قصيدة جميلة، وتشكل الألوان سيمفونية عشق طبيعية، لا يكسر هارمونيتها أي نشاز.‏‏

وفي عبقرية بيكاسو، نجد الكثير من اللوحات التي تتجاوز الواقع الحسي للألوان والقماش، إذ إنه رسم لوحة «الطبيعة الصامتة» ووضع فيها صندوقاً من الكراث، بهدف أن تعبق لوحته برائحة الكراث – كما يقول – وإنه بهذا يغدق على الطبيعة بحواسه هو، متجاوزاً واقع الطبيعة ومحفزاً إياها على خلق واقع جديد.‏‏

وماذا إذا كانت اللوحة التي يرسمها الفنان ليست من الواقع، بمعنى أنه يهضم الذخيرة الفكرية والروحية التي لديه، ويعيد إنتاجها بحلة جديدة، لا تشبه الواقع، ولكنها تشيد واقعاً جديداً، حراً، وأكثر عدالة ورقياً من الواقع القائم. الطاقة هنا تكمن في المخيلة، والمخيلة تستمد مفرداتها من التجارب والمشاعر والأحاسيس.‏‏

إن جوهر العمل الفني في خلق الجديد، وجوهر الحياة في تحولاتها الإيجابية نحو عالم أفضل.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية