تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


سيلفيا بلاث الزنابق تتوهج في الشتاء

ملحق ثقافي
2018/7/17
ترجمة: نور نصرة

سيلفيا بلاث: شاعرة أمريكية مواليد عام 1932م، تزوجت من الشاعر البريطاني تيد هيوز 1956م، عاشت سيلفيا حياة أليمة وكئيبة، بدأت رحلتها مع الألم بوفاة والدها عام 1940 وهي في الثامنة من العمر، حيث شكّل الموت هاجساً لديها،

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

وعاشت حياتها غارقة في نوبات الاكتئاب. بدأت بكتابة الشعر وهي في السابعة عشرة من عمرها، ولها رواية وحيدة سردت فيها محاولتها الانتحار ودخولها في انهيار عصبي ثم مصحة للأمراض النفسية؛ حيث تعرضت للصدمات الكهربائية. تنهي سيلفيا مشوارها في هذه الحياة بانتحارها عام 1963م وذلك بعد طلاقها من تيد هيوز بأشهر قليلة. هذه القصيدة هي من مجموعة قصائد مختارة نُشرت بعد وفاتها بعامين.‏

الزنابق‏

انظر كيف توهجت الزنابق‏

بعد أن حلّ الشتاء هنا‏

وكيف تساقط الثلج‏

حتى غطّى الأبيض كل شيء،‏

يا له من منظر بديع.‏

أتعلّم في هذه اللحظات‏

كيف أستلقي مع نفسي بهدوء،‏

وكيف أخلُد للسلام.‏

حالما يهبط الضوء‏

على تلك الجدران البيضاء،‏

وعلى هذا السرير وتلك الأيدي.‏

أهيم بلا جدوى‏

ولا أملك ما أفعله في هذه الجلبة.‏

لقد أعطيت الممرضات‏

اسمي وملابسي التي خلعتها للتو‏

ومنحت تاريخي للطبيب‏

وجسدي للجراحين.‏

أسندوا رأسي بين الوسادة وطرف الملاءة‏

كأنني عينٌ‏

بين جفنين أبيضين‏

لن يُغمضا أبداً.‏

يا له من بؤبؤ أحمق‏

كان عليه أن يحضن كل ما في داخله.‏

تجولتِ الممرضات‏

مراراً وتكراراً‏

لم يكن وجودهن أمراً مزعجاً‏

عبرنَ بقبعاتهنّ البيضاء‏

يفعلنّ الشيء ذاته بأيديهن‏

كما النوارس عندما تتجه نحو الداخل‏

لذلك كان من المستحيل التكهّن بأعدادهن.‏

جسدي كالحصاة أمامهم،‏

لقد مرّوا به كالماء‏

وكان من الأجدى أن يتخطوه‏

ويملّسوه بنعومة‏

لقد خدّروني‏

بتلك الحقن، لامعة النصل‏

وجعلوني أغرق في النوم.‏

تائهة ومثقلة بأعبائي.‏

بات جلدي صقيلاً طوال الليل‏

كأنه علبة عقاقير سوداء‏

زوجي وطفلتي يطلان مبتسمين في الصورة العائلية‏

تلك الابتسامة التي أصابتني بالقشعريرة.‏

لقد تركتُ الأشياء تنساب مني‏

فقد بلغ عُمر هذا المَركب ثلاثون عاماً‏

وهي مُتشبّثة باسمي وعنواني‏

مسحوا جسمي بالقطن‏

ونظفوني من كل عشاقي‏

ينتابني الرعب‏

وأنا عارية وممددة‏

على هذه النقالة الخضراء‏

بعد أن تراءى لي طقم الشاي خاصتي،‏

خزانة ملابسي الداخلية وكتبي‏

تغرقُ بعيداً عن الأنظار‏

والماء يغمر رأسي‏

أبدو كراهبة الآن،‏

ولم أشعر بهذا النقاء من قبل.‏

لا أرغب بأية أزهار‏

كل ما أريده هو أن أستلقي وأفرُد يديّ‏

وأكون مجردة من كل شيء‏

كم أنا حرةً،‏

لا تملك أدنى فكرة كم أنا حرة‏

السلام في داخلي عميق جداً‏

لدرجة أنك ستدوخ به‏

الأمر لا يتطلب شيئاً‏

لا اسماً ولا جاهاً‏

إنه آخر ما يغلق عليه الميت عينيه‏

ها أنا أتخيلهم‏

يغلقون أفواههم‏

كأنهم في لوحة العشاء الإلهي.‏

كانت الزنابق متوهجة جداً‏

لدرجة أنها آلمتني‏

ومن خلف ورق الهدايا‏

تمكنت من سماع أنفاسها بهدوء‏

وهي مربوطة بقماط أبيض‏

كطفل مذعور.‏

هذا الوهج حاكى جرحي،‏

لقد انسجما معاً.‏

تبدو لطيفة للناظر‏

وكأنها تحلّق‏

ومع ذلك فقد أصابتني بالكآبة.‏

أرّقتني لغتهم الغريبة ولونهم‏

اثنا عشر لوناً أحمر‏

كان كافياً لاستحضار‏

الأثقال حول عنقي.‏

لم يلاحظني أحد ما من قبل‏

لكنني بتّ مرئية الآن‏

أدارت الزنابق وجهها نحوي‏

وكانت النافذة خلفي‏

حيث في أحد الأيام تسربل منها ضوء قوي ثم تضاءل‏

وشعرت بنفسي ظل قطعة ورق لا قيمة له‏

ملقاة بين عين الشمس وعيون الزنابق‏

لا وجه لي، أريد أن أدفن نفسي‏

فهذه الزهرات استنشقت هوائي.‏

قبل أن يأتوا‏

كان الجو هادئاً كفاية،‏

يأتون ويذهبون،‏

يتنفسون ويتنفسون‏

بدون أية ضجة.‏

ثم ملأت الزنابق المكان بضجيج مزعج‏

طاف الهواء حولهم‏

وشقّ طريقه كالنهر الذي يطوف‏

حول أداة غارقة في لونها الخمريّ‏

لفتوا انتباهي إلى هذه البهجة‏

لعبوا واستراحوا دونما اكتراث بشيء.‏

حتى الجدران بدت وكأنها أكثر حميمية‏

والزنابق كحيوانات خطيرة‏

يتفتّحون كفم قطة إفريقية مخيفة‏

من خلف القضبان‏

وأنا أجسّ نبض قلبي،‏

تارة ينبض وتارة يتوقف‏

كانت المزهرية تتوهج بالأزهار‏

وكأنها تعلن حبها الخالص لي‏

مذاق الماء دافئ ومالح كماء البحر‏

كأنه من مكان ما‏

بعيد‏

كحلم عن العافية.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية