تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


مفاهيم إبستيمولوجية العقيدة والمعرفة

ملحق ثقافي
2018/7/17
حاتم حميد محسن

تنحدر كلمة إبستيمولوجي من أصل يوناني، وتشير في مقطعها الأول episteme إلى (معرفة) و ology (علم أو دراسة)، وبهذا فإن الإبستيمولوجي هو دراسة أو التحقيق في المعرفة ذاتها. ويشار إليها أيضاً بنظرية المعرفة.

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

المعرفة الإبستيمية هي ليست حول ما نعرف، وإنما حول ما نعنيه بما نعرف. تسعى الإبستيمولوجيا للإجابة على الأسئلة الأساسية حول الكيفية التي يتصور بها الإنسان العالم وكيفية المعرفة به. من بين الأسئلة الأكثر بروزاً هي:‏

1- هل هناك عالم خارجي؟ كيف نتأكد من ذلك؟‏

2- كيف تعمل الذاكرة؟ كيف نعرف أن ذاكرتنا حقيقية أو صادقة؟‏

3- ما هي طبيعة الفهم أو التفسير؟ إلى أي مدى يمكن للمعرفة الحالية أن تؤثر على الفهم والتصور المستقبلي؟‏

4- ما هي المعرفة المتأصلة في الإنسان؟ وما الشيء الذي يتم تعلّمه بعد الولادة؟ هل يمكن نشر الحقائق الجديدة بدون مفاهيم قبلية؟‏

5- إلى أي مدى يكون الاستدلال أو الاستنتاج المرتكز على التصور صالحاً؟ ما هي الطريقة الملائمة لعمل مثل هذا الاستدلال؟‏

من المفيد ملاحظة التمييز الأساسي الذي وضعه سقراط بين العقائد التي تركز على الآراء والمعرفة التي تركز على الحقائق. المعرفة تتعلق بحقائق واضحة تكون مطلقة لا يمكن أن تكون زائفة، بينما الآراء يمكن أن تكون كاذبة.‏

اعتبر سقراط العقيدة حالة إدراكية ناقصة. عند اعتقاد المرء بشيء ما فهو يقبل تلك الفكرة كشيء حقيقي أو صادق بدون معرفة أنه حقيقي. يعتقد المرء بشيء ما كحقيقي، لكنه يتبين له فيما بعد أنه زائف. بما أن أفعالنا تعكس ما نؤمن به كشيء حقيقي، فإن الإيمان بالعقائد يكون مؤذياً للمرء وللآخرين. وطبقاً لذلك، تكون العقائد مؤذية أخلاقياً، وحسب وصف أفلاطون «مخجلة». إبستيمولوجية سقراط تقدم صورة مختلفة، وهي أنه عند السعي للمعرفة، يجب على الفرد أن يتخلص من العقائد، المعرفة لا تعني العقيدة، طالما لا يمتلك المرء معرفة بالأخيرة، يجب أن يتحفظ المرء في الحكم، ويحقق عبر التفكير بطرق ممكنة، لأن المعرفة والعقيدة شيئان مختلفان.‏

طبقاً لكارل بوبر إن الطريقة الوحيدة للتمييز بين الحقيقي وغير الحقيقي، هي عبر تعريض المقولات أو الادّعاءات إلى دحض تجريبي. أفلاطون رفض هذا الاتجاه معتبراً أن الحقيقة ليست عرضة للتكذيب.‏

لذا فإن السؤال الإبستيمولوجي هو من أين تأتي المعرفة؟ وما هي حدود المعرفة البشرية؟ هنا يجب الاطلاع على فرعين فلسفيين رئيسيين حديثين وهما العقلانية والتجريبية. المفكرون العقلانيون مثل ديكارت يجادلون بأن كل المعرفة تأتي من العقل، وكل شيء في هذا العالم هو عقلاني من حيث الجوهر، الإنسان يعرف من خلال الذهن. أما التجريبيون البريطانيون مثل باركلي وهيوم ولوك يصرّون على أن معظم، إن لم تكن كل، المعرفة الإنسانية الحقيقية، يمكن الوصول إليها، فقط من خلال التجربة الإنسانية. الإنسان يعرف من خلال الحواس.‏

هناك أيضاً فكرة عن المعرفة المشتقة ثيولوجياً ككشف ديني. لابد من الإشارة إلى عدم الوضوح في الخط الفاصل بين العقيدة والمعرفة. القديس أوغسطين يعرض نقاشاً مقنعاً عن العقل مقابل الإيمان. إحدى القضايا التي تهم معظم الإبستيمولوجيين هي تحليل المعرفة التي تحاول إيجاد جواب للسؤال: «ما هي الشروط التي يجب تلبيتها للقول إن شخصاً ما يعرف شيئاً ما؟ ومنذ وقت طويل بدت الشروط واضحة لمعظم الفلاسفة وهي 1- أنت يجب أن تعتقد بالشيء، 2- إنه يجب أن يكون حقيقياً،3- أنت يجب أن يكون لديك تبرير (برهان) للإيمان به. المشكلة التي أثارها (غيتر) فتحت السؤال من جديد ووضعته أمام مشاكل جديدة. هذا النوع من السؤال اعتُبر من أكثر الأسئلة عمومية في الإبستيمولوجيا.‏

مشكلة غيتر Gettier problem‏

تعتبر مشكلة غيتر في الإبستيمولوجي علامة بارزة في المشاكل المتعلقة بفهم المعرفة. الفيلسوف الأمريكي أدمون غيتر عرض أمثلة مضادة، تحدّى فيها الاتجاه السائد في المعرفة منذ وقت طويل، والذي يُطلق عليه بالعقيدة المبررة الحقيقية JTB. أفلاطون كان أول من وضع هذا الاتجاه الإبستيمولوجي في المعرفة، فهو افترض أن شخصاً ما، لكي يؤمن بشيء ما، يجب أن يكون لديه نوع من التبرير. ومن هنا جاء تعريفه للمعرفة بأنها عقيدة صادقة مبررة justified true belief. لكن غيتر عارض هذا الاتجاه، واعتبر أن الافتراض يمكن أن يكون صادقاً حتى وان كان التبرير غير صالح . اتجاه العقيدة المبررة الحقيقية يقوم على الافتراض التالي:‏

الشخص A يعرف بان الفرضية P هي صادقة فقط عندما:‏

‏1- P هي حقيقية‏

‏2- A يعتقد أن P حقيقية‏

‏3- A لديه تبرير للإيمان بأن P هي حقيقية.‏

اتجاه العقيدة المبررة الحقيقية، يؤمن بأن المعرفة مساوية لـ (العقيدة المبررة الحقيقية) عندما تتم تلبية جميع الشروط الثلاثة أعلاه (مبررة، حقيقية، صادقة)، عندئذ ستكون لدينا معرفة بذلك الادّعاء. كتب غيتر في ورقة له من ثلاث صفحات عام 1963 عنوانها «هل أن العقيدة المبررة الصادقة معرفة؟»، عرض فيها مثالين أو حالتين مضادتين، أوضح فيهما أن الأفراد يمكن أن تكون لديهم عقيدة حقيقية مبررة بشأن ادّعائاتهم، ولكنهم مع ذلك يفشلون في المعرفة، لأن سبب العقيدة، حتى وإن كان مبرراً، فهو يمكن أن يكون زائفاً. وهكذا يدّعي غيتر أن JTB أو الشروط التي حددها أفلاطون هي ضرورية، لكنها غير كافية للمعرفة.‏

مثال غيتر‏

يفترض غيتر أن هناك شخصين (سميث) و(جون) كلاهما تقدما لطلب وظيفة. سميث لديه عقيدة مبررة وحقيقية (JTB ) بأن جون هو الذي سيحصل على الوظيفة، لديه دليل قوي بذلك كأن (يكون مدير الشركة أخبره بأن الوظيفة ستكون من نصيب جون)، كذلك يعلم سميث أن جون لديه في جيبه عشرة دولارات (وهو أيضاً متأكد من هذا لكونه رأى جون يعد النقود أمامه). اتضح لاحقاً أن سميث هو الذي حصل على الوظيفة، وبنفس الوقت كان في جيبه عشرة دولارات دون أن يعلم بذلك. وبهذا طبقاً لغيتر إن عقيدة سميث الحقيقية المبررة كانت زائفة.‏

نقد فرضية غيتر‏

1- إذا كان هناك فشل في مفهوم العقيدة المبررة الحقيقية كما ورد في المثال أعلاه، فإن الخطأ ليس من سميث، وإنما بسبب نظام المنطق الذي يستخدمه. ورقة غيتر تثبت أن هناك حاجة إلى أساس أكثر دقة للمعرفة. تفنيد فرضية غيتر يتم إما عبر إثبات أن المقدمة premise زائفة، أو إثبات أن الاستنتاج لا يتبع المقدمة. في حالة غيتر وُجد أن المقدمة شديدة الحساسية.‏

2- لكي تحصل للإنسان المعرفة، هناك افتراضات أساسية، هذه الافتراضات يجب أن تكون حقيقية، وهذه الافتراضات الحقيقية يجب أن تكون نهائية (غير مرتبطة بافتراضات أخرى).‏

3- صحيح لا توجد لدى سميث معرفة، ولكن ذلك ليس بسبب نقص الفهم لديه، وإنما نتيجة لشيء ما خارج الشروط الكافية والضرورية لمعرفة افتراض معين. هناك خطأ في التعليل، وهناك فجوة بين مفهوم الـ JTB والمعرفة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية