تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الإنسانُ والصَّرْح الكلام والصَّمت

ملحق ثقافي
2018/7/17
ناظم مهنا

«طَلَلٌ مَحَتْ آيَ السَّمَاءِ رُسوُمُهُ

فكأنَّ باقي مَحْوِهنَّ دُروسُ»‏‏

أبو الشيص‏‏

«اكتشف نوربر هانولد، عند زيارته واحدةً من أكبر المجموعات الأثرية الرومانية القديمة، نقشاً بارزاً أذهله أشد الذهول»، هذا مطلع قصة «غراديفا» للألماني (ويلهلم جنسن) التي حللها فرويد واختارها أنموذجاً للهذيان والأحلام.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

شغف الإنسان بالعاديات وبالآثار، ظاهرة حقيقية ملموسة وحاضرة بقوة في التعبيرات الفنية والأدبية، ومهما أفصح الإنسان الحديث عن رغبته في الخصام والقطيعة مع ذاكرته الجمعية، فإنه محكوم بالإخفاق، ويجد نفسه في مواجهة «اختلاق» مفتعل وغير أصيل، عابر ولا يصمد أمام الزمن. شغف طفولي بالآثار لا يقاوم، يمكن أن يختبره أيُّ واحد منا بمجرد أن تقع أنظاره على خرابة فوق تل أو سكة معدن أو كسرة فخار أو قطعة من نقش أو رقيم في أرض مقفرة، يجعلنا هذا نرتعش، وتثار فينا تداعيات شتى.‏‏

للذاكرة الجمعية قوة جذب سحرية لا تقاوم. يوجد شغف فطري بالآثار والأطلال الدارسة، ربما يسوّغ لنا بعضٌ من هذه الصراحة المتكررة التي تجلَّت في شعرنا العربي القديم، وصار معها الوقوف على الأطلال والبكاء على الآثار الدارسة تقليداً ونهجاً متّبعاً إلى أن جاء من تمرّد على هذا التقليد وهزأ منه واخترقه. قام بهذا الأمر التحديثي المحمود شعراء أفذاذ ظهروا في العصر العباسي الأول. لكن، لم يكن الأمر حكراً على الشعراء العرب على ما بدا، وربما لم نكن سبَّاقين فيه، وغفر الله لمسلم بن الوليد وأبي نواس وبشار بن برد ورهط المجددين سخريتهم المقذعة من الأطلال ووقوف الشعراء عليها.‏‏

هذه الظاهرة استوقفت الباحثين والمحللين النفسيين وعلماء الآثار، وحاولوا أن يجدوا لها تفسيراً. عالم الآثار الفرنسي الشهير «آلان شناب» توسَّع في حكاية تعلق الإنسان بالأطلال، وتجوّل ذهنياً في حضارات الشرق والغرب لرصد هذا الشعور الوجداني والثقافي الذي تتشارك فيه الإنسانية. يؤكد (شناب) أن التأمل في الأطلال حالة موجودة في كل الثقافات، وأن العلاقة بين الإنسان والآثار ظاهرة كونية قديمة، وأن للآثار المندثرة جاذبية في أي مكان من العالم، بالإضافة إلى الشعرية التي تختزلها، والخيال الذي تنعشه، فهي تحمل دلالات رمزية متعددة الأبعاد، منها التواصلية؛ هذه الأوتار السرية المتصلة بين الماضي والحاضر التي تجعلنا ننجذب أو ننخطف نحو كل حجر أو أثر يمتُّ إلى الماضي وكل لقية أو رقيم أو نقش، أو مشهد لخرائب دارسة، كما تجعلنا نتجاوب مع الرسوم والأشعار القديمة والجديدة التي تذكِّرنا بالأسلاف. فشعراء الحضارات القديمة والإغريق والرومان، وشعراء العالم وإلى يومنا هذا، نلمح عندهم أشكالاً من الوقوف ومخاطبة الأطلال، لكن بمنسوب أقل مما هو عندنا.‏‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

قصائد الشاعر اليوناني المعاصر «كفافيس» أدهشت قرَّاء الشعر ومتذوقيه. عاش كفافيس معظم حياته في الإسكندرية حتى ثلاثينيات القرن الماضي، وكتب قصائد تزخر بشعرية الصُّروح والآثار الدارسة عند الشعوب القديمة، واستحضر من الماضي صورة الإنسان الهلنستي المحمَّل بالإشراق والمأساة.‏‏

من حضارة مصر وبلاد الرافدين وبلاد الشام، مروراً بالإغريق والرومان، وصولاً إلى أيامنا هذه، والإنسان يطارد الطلل كما يطارده ظله.‏‏

هذا الشغف الغامض بالآثار يتعدى شعرية الآثار، إلى علاقة الإنسان بالزمن، ومعنى الوجود.‏‏

ما الذي يدفع بعض الناس للاهتمام إلى درجة الهوس أحياناً بالمقتنيات الأثرية؟ ثم ما الذي يجعل هذا العدد الهائل من السياح يأتون من أماكن بعيدة ليقفوا على آثار دارسة، كآثار تدمر والبتراء والأهرامات المصرية، مثلاً؟! وثمة سؤال آخر، هل كان شعراؤنا القدامى الذين لم تكد تخلو قصيدة من قصائدهم من محاكاة الأطلال، يمارسون تقليداً مبالغاً فيه، أو طقساً وجدانياً تفرضه عليهم الأحوال الاجتماعية. وهل كان طقساً بدويّاً، كما يعتقد بعضهم، وأن الحياة المدنية جاءت وأنهت هذا الطقس؟‏‏

عند المصريين القدماء، كان التعرف إلى آثار الماضي والعلاقة بالسلالات القديمة، نوعاً من العبادة. أما البابليون وفي بلاد الرافدين، فكانت الاستمرارية عندهم تتم من خلال الكتابة الشعرية والرسائل. ويعد كشف أسرار الموتى عملاً من أعمال الآلهة.‏‏

هل يكون الاهتمام بالأطلال، خاصية بدوية، تقلُّ في ظل حياة مدن مترفة؟ عرف الإغريق مدناً مترفة، لكن هل غابت الأناشيد الطللية عن أشعارهم؟ إن الإلياذة وشقيقاتها والقصائد الطروادية والأثينيّة تدحض فكرة أن التماحك مع الأطلال حالة محض بدوية، ربما كان الإغريق والرومان أقل اهتماماً بالقبور من الشرقيين واهتموا بالمحسوس وبما هو موجود أمامهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللاتين الذين تتماهى عندهم الآثار بالعدم، وبالمدينة التي تهدمت، أو أُزيلت عن الوجود، كإسبارطة أو طروادة. وفي العالم الغربي ومنذ القرون الوسطى، إلى عصر الغرب الحديث، نجد أنَّ كل شظية باقية من العصر القديم، هي جزء من الزمن الذي يمر، علامة تجعلنا نشعر كم أن وجودنا قصير ومُبْتَسَر. فالوعي بالزمن الذي يلتهم كل شيء، ليس موضوعاً يفكر فيه الشعراء فحسب، ويستلهم منه الرسامون، ويستحوذ على رغبات تجار التحف. إنه شيء ينظم وجودنا، ويرتب قدرتنا على تصور الزمن القديم، كما أنه يتحكم بالفكرة التي نشكّلها عن المستقبل.‏‏

بنى الإنسان الصروح وهدَّمها بالحروب أو تهدمت بفعل كوارث طبيعية أو بفعل الزمن نفسه، وظل خيال الإنسان يرفع من هذه الصروح ولو لم يرها، مثل برج بابل الخرافي وغيره.‏‏

العلاقة بين الحجر والكتابة على الحجر، هي العلاقة بين الصامت والناطق. جدلية الحجر والزمن، هي رمز للعلاقة بين الذاكرة والنسيان. فالكتابة مقاومة للنسيان، وضد المحو الذي يقوم به الزمن، هي بشكل أو بآخر ضد الصمت والموت. فالكتابة ليست صامتة كما الحجر، بل هي ناطقة تحتاج إلى الفم. و»الكَتَبَة» هم حسب كتاب الموتى: «أهل المعرفة الذين ينتمون إلى الأزمنة التالية لمجيء الآلهة». والكتاب «أغلى من حجر جنائزي منقوش/ أغلى من غرفة جنائزية جيدة البناء/ هذه الكتب بمنزلة مدافن وأهرامات». ومن خلال الحجر والكتابة، المعمار والقصائد، وعبر تواطؤ خفيّ بين الذاكرة والزمن، بنى الإنسان المسلة أو الصرح.‏‏

يقدِّم فرنسيس يونغ رؤيته الشعرية النيكروفيلية في الموضوع، يقول: «إن صروح الإنسان تشبه قِطَعاً من هيكله العظمي، أو من أي هيكل عظمي كان، عظامه كبيرة قُشط عنها اللحم. إنها لا تشبه في حجمها أي مسكن آخر. لكن من الكاتدرائيات الأكثر ضخامة لا تخرج سوى جماعات من النمل».‏‏

العلاقة بين القصر والمدفن، هي العلاقة بين الإنسان في حياته وفي مماته. والعلاقة بين الكتابة والصرح، كما يراها بورخيس، قائمة لأن كليهما يحفظ الذاكرة من النسيان. ويرى بنيامين بيريت: «أنَّ الآثار هي رمز للإنسان الذي تطارده أشباح مسيطرة، تظل تسكن خياله في كل حياته، حتى إذا جاء اليوم الذي يموت فيه يُحبَس في قصر آخر. هذا القصر بمنزلة فزّاعة مضحكة، مبني على قياس الدود الذي ينخر. لكن ها هو الإنسان، إنه شبح بحد ذاته، وقصر مسكون بشبحه هو، ومهما ذهب بعيداً، ومهما بدا شاباً، فإن رغبته تأخذ شكل القصر: مغارة ينازع الدب على ملكيتها».‏‏

واليوم وفي ظل الحديث عن التنوع الثقافي، فإنَّ اهتمام البشر بالماضي، اعتراه كثيرٌ من التفاوت، لكنه أمر قائم عند كل الشعوب. وهذا ما يسوِّغ وجود المتاحف في كل مدن العالم، وانتشار الحفريات وكثرة علماء الآثار. فالمتحف إلى جانب أنّه أرشيفٌ للعصر القديم، هو أيضاً تعبير عن رغبة جماعية للبقاء في وجه هشاشة الذاكرة.‏‏

يقول بنيامين بيريت: «لا يمكن إنكار أي شيء من الطفولة الجماعية، فيما عدا بالنسبة إلى المجتمعات التي لم تعد جديرة بذلك والتي لا تمجد هذه الطفولة الجماعية إلا لكي تنكرها أكثر وأكثر. فقد كان موسوليني يحتفي بروما القديمة على الرغم من أن أفعاله كانت تتناقض مع التطور الذي حملته روما القديمة إلى العالم. وكان ستالين يحاول أن يجعل من لينين أثراً ميتاً لكي يتسنى له أن يخونه أكثر. والأمر نفسه في كل مكان. الآثار ينكرها أولئك الذين ليست حياتهم سوى خراب لا يبقى منه سوى ذكرى بصقة».‏‏

إذاً، الشعرية وما تتضمنه من حنين وخيال ورغبة في الإبداع، والخلود ومقاومة الموت، كلها تجعلنا كائنات ننجذب إلى الماضي ورموزه. وكما يعبِّر الكاتب الأرجنتيني الكوني بورخيس في هذا الصدد، إذ يقول على لسان أحد شخصياته القصصية: «البشر يحبُّون الماضي، وحيال ذلك لا أستطيع شيئاً أنا وجلادي، لكن في يوم من الأيام سيكون هناك رجل له رائحتي، وهذا الرجل سيهدم أسواري، كما هدمت الكتب، وسيمحو ذاكرتي، وسيكون ظلي ومرآتي دون أن يعلم».‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية