تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


القصص الشعبي فن عابر للقوميات

ملحق ثقافي
2018/7/17
يمتلك القص الشعبي جماليات وقيماً تميزه عن فنون السرد الأخرى، فهو يتمتع بفرادة وخصوصية ويعالج قضايا اجتماعية وتاريخية لشعب ما في مرحلة زمنية معينة. ويفترق القصص الشعبي بين بيئة وأخرى وبين شعب وآخر،

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

ويتمايز كذلك الخطاب بين مجموعة إنسانية وأخرى. إنه الخلفية الثقافية الروحية لشعب، أنتج مجموعة من الحكايات لتعبر عن ثقافته وأيديولوجيته وحزمة تفكيره. ويدل القصص الشعبي عند العرب على المشترك التاريخي الاجتماعي الثقافي التي تربط العرب على مر العصور. وهو بالتالي يدل على وحدة تراث العرب منذ العصور القديمة.‏

لقد صمد الفن القصصي الشعبي لزمن طويل، ولا يزال يحظى باحترام الناس في زمن العولمة هذا. وما تزال الحكاية العجيبة تتوهج وتتوسع في عالميتها، وتلقى قراءة وإعادة قراءة من كل الشعوب على الأرض، بغض النظر عن منبع الحكاية.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

إنها تؤرخ لفن عالمي، لا يمكن أن تحجزه الحدود بين الدول، أو أن تمنعه من التمثل في مختلف آداب العالم.‏

___________________________________________________‏

الليالي العربية‏

تعد ألف ليلة وليلة، أو ما اصطلح على تسميتها أيضاً “الليالي العربية”، أحد النصوص الكبيرة في تاريخ العالم. إنها حدث قصصي ضخم، غير البنى في القص العالمي، وارتحلت نصوص هذا النص إلى كل أصقاع العالم، وطارت الحكايات الخرافية المذهلة إلى بحار بعيدة وصحار نائية ووديان مظلمة، وترسخت في أصول الثقافات الأخرى، حتى يمكن القول إن العالم القصصي بعد ألف ليلة وليلة، تحول إلى عالم أكثر سمواً وجمالاً. ولا يمكن بحال من الأحوال، أن نجد نصاً يتمتع بهذه العبقرية وتلك الجمالية الفنية التي تمتعت بها حكايات ألف ليلة وليلة.‏

ليست الليالي العربي حصيلة خبرة وحكمة الشعب الذي أبدعها فقط، بل هي أيضاً دليل على رقي هذا الشعب وارتقائه في مجال الفنون.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

فمن غير الممكن أن ينتج زمن ما هكذا فن، وتكون الأمة في موقع ضعف، لأن الفنون تدل على منتجيها وموقفهم من العالم ومستوى وعيهم وحضارتهم ورقيهم.‏

وألف ليلة وليلة هي أكبر مجموعة من الحكايات الشعبية التي توارثها الناس عبر أجيال طويلة، وهي العمل الفريد الذي ضم عدة ثقافات في كتاب واحد، فارسية وهندية وعربية، وتصنف حكايات ألف ليلة وليلة إلى: الأساطير، الجن، التاريخ، الاجتماع، الوعظ. وهي احتوت على أبطال ذكرهم التاريخ ودونوا فيه صفحات طويلة، مثل الإسكندر الأكبر، هارون الرشيد، المأمون؛ وكذلك ضمت أبطالاً أسطوريين، وخياليين من مثل السندباد وعلي بابا وعلاء الدين وعلي الزيبق، وضمت أيضاً خيالاً علمياً؛ حيث استخدمت فيها آلات كالمصباح السحري والبساط السحري الطائر، والحصان الطائر.‏

حكايات وأساطير وسير‏

ينقسم القصص الشعبي إلى ثلاثة أنواع هي: الحكايات الشعبية، والسير الشعبية، والأساطير الشعبية. والحكاية هي التي تتوارثها الأجيال، وترتبط بالعادات والتقاليد، وهي العمود الفقري في التراث الشعبي. وهي نوع قصصي ليس له مؤلف بعينه، بل يقوم الرواة بتحويره والإضافة إليه والحذف منه، بما يناسب الجماعة والفكرة التي يراد توصيلها. إذاً، هو فن خادم حسب الزمان المعايش. لذلك، فإن تناقلها من جيل إلى جيل جعلها تتمايز قليلاً وتحمل خيالاً وفكراً ورؤيا مشتقة من أصول الحكاية،‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

ولكنها مضافة بطريقة أحدث.‏

ومع تعدد الحكايات الشعبية تم تقسيمها إلى عدة أنواع: الحكاية الخرافية، حكاية المعتقدات، حكايات التجارب اليومية، الحكايات التاريخية، الحكايات الهزلية، القصص الديني.‏

وتبرز أهمية الحكايات الشعبية من أنها تصوير للذخيرة الفكرية والعقيدية للشعوب، خلقها الخيال الشعبي، وتهدف إلى تحقيق أهداف تربوية تعليمية، ترفد الأجيال التالية بكم هائل من الخبرات الحياتية. وهذه الخبرات تمت صياغتها بأسلوب قصصي شيق وممتع، فيه الكثير من الجاذبية والسحر.‏

الشخصية‏

إن الشخصية هي أحد أسس بناء الحكاية الشعبية، ولذلك فقد تألقت الشخصيات وأصبحت أسطورية أو شبه أسطورية، لما تمتعت به من صفات خلقية وعقلية وجسمية، مرغوبة لدى الإنسان في كل العصور. فهي تعيش في إطار فني محكم، وتتجول في فضاءات الخير والشر، تنزع إلى إحقاق الحق وانتصار العدل.‏

اللغة‏

لا تعتمد الحكايات الشعبية على لغة منمقة ومعقدة، وإنما على لغة بسيطة ولكنها عميقة، إذ تحمل مضموناً كبيراً، وحكمة عالية، وهذا ما جعل تقليدها أمراً في غاية الصعوبة.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

حافظت لغة الحكاية على الرونق الفني الخاص بزمنها، ولم تستطع اللغة الحديثة وتطورها الهائل من المساس بقيمة تلك اللغة الفريدة. ورغم أن كثيراً من الكتاب أعلنوا عن خوفهم من اندثار هذه اللغة، إلا أن هذا الأمر ليس في محله، لأن الفراغ العولمي الآن، يدفع كبار الكتاب والمهتمين، إلى العودة إلى النصوص القديمة والقصص الشعبي، وإعادة قراءته من جديد، واستلهام ما يمكن من لغته وجمالياته، لبناء نصوص جديدة. ومن يعتقد بأن هذه الحكايات بدأت تفقد مكانتها اليوم، فهو يغار على هذا التاريخ الخيالي والشعري الهائل، وهذا حقه.‏

لا يمكن اتهام العولمة بأنها هي التي تدمر هويات الناس، وتفقد الشعوب خصوصيتها، كما لا يمكن تبرئتها. إن الحفاظ على هذا التراث الحكائي المبهر، لا يكون بالتمنيات، وإنما بالعمل عليها، وإعادة نشره، وترويجه بين أبناء الجيل الجديد، ليكون سنداً ورافداً ثقافياً. ومن يريد الحفاظ على هذا التراث المجيد، وفي مقدمته ألف ليلة وليلة، يجب ألا يقوم بتزوير الطبعات الجديدة، وحذف مقاطع كثيرة منها، بحجج واهية، وفي مقدمتها أن بعض القصص تخدش الحياء العام!! تخيلوا أن يكون القرن الرابع والخامس الهجريين أكثر تقدماً من بعضنا، مع أنه لم يكن لديهم وسائل الميديا والانفتاح الفضائي الذي لدينا!! هل يستطيع أي خائف على الحياء العام، أن يمنع ابنه من مشاهدة التلفاز أو الدخول إلى مواقع عنكبوتية - ضد الحياء العام -؟؟‏

لا أظن.‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

إن هذا التراث الفريد، لا يخجل أحداً، وإن حذف وتشويه أي عبارة فيه، هو بحد ذاته، تخريب وتدمير لهذا التراث. وإن أي مشروع حضاري الآن، يتطلب المحافظة على النصوص في المقدمة، ومن ثم نشرها على نطاق واسع.‏

خارق للطبيعة‏

يظن كثيرون أن الحكايات الشعبية، وكمثال ألف ليلة وليلة، هي حكايات خيالية ولا تفيد شيئاًن بل وتبعد الأطفال عن الواقع. إن هذا التفكير خطير وسلبي في الوقت نفسه، لأن الحكاية تكمن قيمتها في ما تحمله من خيال يرتقي بعقل الطفل، ويحفز ملكاته العقلية والإبداعية، وتجعله ينطلق بين العوالم في غمضة عين، ويخلق عالمه المثالي.‏

في كثير من الدول، تقوم المؤسسات الاجتماعية والتربوية بتربية خيال الطفل، وبالتالي فهي تربي مشاعره وأحاسيسه وتنمي قدراته العقلية، وتضعه على دروب الإبداع. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطفل يستقبل ذاكرة الذين سبقوه، ويتعامل معها كذخيرة ثقافية محملة بقواعد أخلاقية وقيم ومثل.‏

ختام‏

لم يكن الإنسان في الزمن الذي كتبت فيه الحكايات الشعبية مقتنعاً بواقعه الذي يعيشه، ولذلك فإن تلك الحكايات كانت مفعمة بخيال جبار لتغيير ذلك الواقع، وتجميله، وخلق واقع أكثر جمالاً، وهو بالتالي محاولة من ذلك الإنسان لتحقيق الذات الإنسانية الكاملة، تلك الذات التي، بالتأكيد، كانت تلاقي الأمرين، وتقع ثم تنهض، ثم وجدت في نسج الحكايات الخيالية طريقة مثلى للارتقاء بالواقع، ورفضه، إن شئنا.‏

أمام هذا الواقع، غير المحمود أبداً،‏

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏

فإن الحكاية الشعبية هي مورد هام لكثير من الأفكار، وفي مقدمتها الحب والعدالة والجمال والأمل. ولا يكون الرد على الخواء الروحي الذي يتفاقم الآن، ويتسنم عالمنا، سوى العودة إلى المصباح الذي يخرج منه المارد، وإلى الصعود على البساط السحري، ورؤية العالم من فوق.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية