تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الرقصة غير مكتملة

ملحق ثقافي
2018/7/17
رانيا عثمان

المطر يهطل بغزارة على رؤوس مكورة داخل معاطف يجتاحها البرد، والشمس مازالت مستلقية في سرير غيمتها تحلم بلقاء لن تراه، والأقدار تجلس في فضائها الرحب تلعب لعبتها المعتادة مع البؤساء، والأرجل البشرية تتخبط في طرقات وعرة يغمرها الطين،

والعبارات تقف في الحنجرة متأرجحة على لسان الخوف، والأعين تنظر إلى وجه السماء غير مبالية. تفتح باب المنزل وتذهب مسرعة بين المارة فجميع الأمكنة ممتلئة بوجوه الغرباء، رائحة المطر هي الأشهى لديها. تجلس على مقعد منسي قبالة نهر بردى، ترقب حبات المطر وهي تداعب وجهه الغاضب.‏

تنتظر قدوم حبيبها الغائب كحبل غسيل ابتل شعره واختفت ملامحه. المكان يخيم عليه الصمت إلا من حبات المطر التي تدغدغ زجاج روحها، ترعد السماء ينتفض جسدها وكأن موعد اللقاء اقترب، تحاول أن تنهض، تتكئ على حافة الكرسي وأصابعها المنتفخة تنتظر قدوم من يبعث الدفء بهما. تخلع معطفها وحذاءها لملاقاته، رغم أنه لم يعتد منها جرأة من هذا النوع. تفتح مسام روحها المتعطشة لملامسة أمطاره، تتقدم نحوه ورائحة الأرض تفوح من جسدها متأملة أن يراقصها بجنونه المعتاد. تنظر اليه بعينين تملكهما حنين ناي حزين. إنه هو، نعم هو، يمر وجهه مع الوجوه العابرة دون أن يلحظ وجودها، تجحظ عيناها تنسل الروح مثقلة بالأوجاع، تبلع صدمتها كصخرة متجذرة في الحلق، تركض مسرعة خلف خطواته متناسيه جميع الوجه إلا وجهه، ملوحة بيديها المتجمدتين. تتهجأ حروف اسمه على شفاه الموت، تتنفخ عروقها، يشتد جلدها، تتصلب روحها، تصرخ والوجع كأشواك يدخل مسام الروح، أنا هنا، أنا هنا، أنا هنا، تزيد من سرعة خطواتها مكسرة جميع الأقنعة العابرة في الذاكرة تحاول الوصول إليه، لكن لا أحد هنا ولا أحد هناك، لا أحد سوى وجه معلق بحبل غسيل.‏

تسقط فاقدة الوعي على عتبات خطواته، والذكريات تعصف كأنين امرأة عجوز تحتضر تشتهي يد دافئة تلامس أصابعها، توقظها أصوات الغرباء المتجمهرين حولها، تجمع ما تبقى لها من قوة وتعاود المشي بخطوات بطيئة، فالوجوه تشبه بعضها تسودها الحيرة والألم. تعود أدراجها إلى غرفتها المليئة به.‏

تجلس قبالة مرآتها تخاطب وجهها الحزين قائلة: ارحل عني أيها الحزن فأنا مللت دموع أحزانك، فدعني أعيش بسلام. يأتيها صوت حزنها قائلاً: أنا حزنك الوفي الذي لازمك طيلة حياتك فالجميع يذهب وأبقى أنا، أتذكرين يوم هجرك فرحك تاركاً روحك متكسرة على مرآتك.‏

يعلو صوتها، لا لم أنسَ قساوة، حزنك فابتعد عني، فأنا مازلت أهوى الحياة، أهوى فرحي القادم.‏

يمعن النظر بوجهها الجميل قائلاً: لا لن أذهب، فلنمت معاً إذاً، فمازلت أهوى الموت قربك.‏

تقترب من مرآتها واضعة يدها على وجه حزنها هامسة في أذنه: لنفترق أحباباً، فأقسم بأنني مازلت أحبك، طلبي منك أن تبتعد عني كان لأجل أن تعيش بسلام فأنا حزنك الطويل ولا مفر مني سوى بقتلي.‏

الحزن: أحبك‏

الفتاة: أحبك‏

عادت الفتاة إلى سريرها مستلقية مع حزنها، مداعباً خصلات شعرها ماسحاً دموعها قائلاً:‏

أنا الحزن الذي قتلت فرحي لأجلك، أغني لك أغنية الفرح.‏

تستيقظ في منتصف الليل وجسدها يرتجف والبرد يأكل آخر آمالها والأوجاع تصرخ والروح تنادي مستنجدة. تتقلب في فراشها ككومة حطب مشتعلة والذكريات الجميلة تزيد من اشتعالها حتى الرماد وتعيد حرقها من جديد. تحتضر مع وسادتها وغطائها وسريرها والصور العالقة في الذاكرة، حتى الموسيقا التي اعتادت أن تؤنس روحها فقدت قدرتها على التخفيف من آلامها. تعيدها الذاكرة إلى كلمات رامبو /لم تعد ولن تعود أبداً، لقد بكيت في هذه المرة أكثر من جميع أطفال العالم/.‏

تحاول النهوض مستندة على ما تبقى من أساس في البيت الخالي إلا من رائحته، تمضي حافية القدمين تفتح باب منزلها وتعلو بنظرها إلى السماء لتجد الغيوم مكتظة الوجه وأغصان الأشجار تترنح مع كؤوسها. تمر سيارة مسرعة لتغطي وجهها وجسدها بالطين، لم تكترث فالطين الذي في داخلها يملأ شوارع المدينة بأكملها، تقطع الطريق لتكمل طريقها إلى المكان الذي يبعث السكينة في روحها، يتراءى وجه حبيبها في شجرة ياسمين متشابكة الأغصان، تضحك عيناها، تنحني على الأرض لتجمع آخر ورود ياسمينه المتناثر على الأرض وتلقيها على وجهها لتنبض روحها من جديد، تقبل إليه بخطوات خجولة، ترفع يدها لتلامس وجهه، تشتم عنق أعصانه، ينسل جسدها ليلامس جذع جسده برعشة الحرمان، يتدلى غصن يلف خصرها يخضر لونها يزهر جسدها بألوان الربيع، تغفو بجانبه هاذية مراقصة أمطار الشتاء.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية