تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


لوكاكو وحكاية تألق بدأت بالقسوة والحرمان والإرادة

رياضة
الأربعاء 11-7-2018
برز روميلو لوكاكو نجم منتخب بلجيكا ونادي مانشستر يونايتد في مونديال روسيا بشكل لافت، فهو بالإضافة إلى أنه أحد الهدافين، لعب دوراً مهماً في صناعة الأهداف وتقدم منتخبه إلى دور النصف نهائي..

ولكن هذا التألق لم يأت دون عناء وإرادة وتعب كما يقول هو نفسه وهو يروي قصة حياته والتي نسردها لكم كما جاءت لأن فيها الكثير من الدروس والعبر:‏

يقول لوكاكو: كنت في السادسة عندما عدت لأتناول الغداء أثناء استراحة المدرسة، أمي كانت تضع الطعام نفسه كل يوم، خبز وحليب، الشيء الوحيد الذي بإمكاننا تحمل تكلفته يوم شاهدت أمي أمام الثلاجة وبيدها حليب كالعادة وبيدها شيء تخلطه معه، أحضرت لي وجبتي، كانت تبتسم وكأن كل شيء على ما يرام لكني أدركت ما الذي يجري؟! كانت تخلط الماء بالحليب، لم يكن الحليب يكفينا لآخر الأسبوع، كنّا معدومين، لسنا فقراء، بل معدومين.. والدي كان لاعباً محترفاً، لكنه كان في نهاية مسيرته والأموال نفدت، أول شيء قام ببيعه هو التلفاز، لا مزيد من كرة القدم!.‏

بعد ذلك تطوّرت الأمور، أعود للبيت ولا أضواء، لا كهرباء لمدة أسبوعين.. أذهب للحمام، لا ماء الساخن، أمي تقوم بوضع الماء في غلاية وتسخنه لي، ثم تسكبه على رأسي. لقد مرّت أيام، اضطرت أمي فيها لأن تقترض الخبز من المخبز، الفرّانون عرفوني أنا وأخي، كانوا يسمحوا لها بأخذ رغيف من الخبز يوم الإثنين وتسدد ثمنه يوم الجمعة، كنت أعرف أننا نعاني، لكن لدرجة أن نخلط الحليب بالماء؟! هنا كل شيء انتهى، تلك كانت حياتنا..‏

يومها لم أقل لها كلمة واحدة، لم أرغب بأن أثقل كاهلها، فما تمر به يكفيها، أكلت وجبتي ثم أقسمت لله، وعدت نفسي، كأن أحدهم غرس أصابعه بداخلي ليوقظني، هذه الحياة يجب أن تتغير، لا يمكنني تحمّل رؤية والدتي بهذه الحالة، لا لا لا، لا يمكنني ذلك. الناس في كرة القدم يتحدثون كثيراً عن القوة الذهنية، حسناً أنا أقوى شاب قد تقابله في حياتك من هذه الناحية، لأنني كنت أجلس أنا وأمي وأخي الصغير في الظلام، ندعي لله، نصلي، نفكر، نؤمن، نعلم أن كل شيء سيتغير عاجلاً أم آجلاً.‏

-احتفظت بوعودي لنفسي، لكني كنت أعود من المدرسة أحياناً، أرى أمي تبكي، قلت لها أخيراً: أمي هذه الظروف ستتغير، سترين ذلك، سألعب في أندرلخت، سنكون بخير، ليس عليكِ أن تقلقي بعد اليوم.‏

كل مباراة لعبتها كانت أشبه بنهائي، حتى عندما ألعب في الحديقة أو في الشوارع، كنت أعتبرها نهائيات، كنت في السادسة من عمري في ذلك الوقت عندما بدأت أطول، المعلمون وآباء زملائي بدؤوا بضغطي وإرباكي، لن أنسى المرة الأولى التي قال لي فيها أحد الكبار: مهلاً، كم عمرك؟.‏

عندما أصبحت في الحادية عشرة من عمري كنت ألعب في أحد فرق الشباب، ووالد أحد لاعبي الفريق الخصم حاول منعي من دخول الملعب، قال: كم عمر هذا الطفل؟ أين هويته؟ من أي بلد؟ والدي لم يكن هناك يومها، لم يكن يملك سيارة كي يقوم بإيصالي لمبارياتنا خارج الأرض، كنت وحيداً وكان علي أن أدافع عن نفسي، أتيت ببطاقتي من الحقيبة وأظهرتها لجميع الآباء الحاضرين، ومرروها على أنفسهم.‏

أردت أن أصبح أفضل لاعب في تاريخ بلجيكا، كنت ألعب بغضب وشراسة لأسباب عديدة، بسبب الفئران في منزلي، بسبب والدتي، بسبب عدم قدرتي على مشاهدة دوري الأبطال، بسبب نظرة الآباء الآخرين لي، عندما كنت في سن الثانية عشرة سجلت 76 هدفاً في 34 مباراة.‏

سجلت جميع تلك الأهداف وأنا أرتدي حذاء والدي، حسناً، كنّا نتشارك الأحذية.‏

في أحد الأيام هاتفت جدّي والد أمي من الكونغو، أخبرته أني أبلي جيداً، سجلت 76 هدفاً والأندية الكبيرة تنظر إلي، كان يحب سماع أحاديثي عن كرة القدم وماذا أفعل، جدي قاطعني فجأة وقال: هل يمكنك أن تسدي لي معروفاً ؟ قلت له: بالطبع، ما هو؟ هل يمكنك أن تعتني بابنتي؟ هل تقصد أمي؟ نعم بالطبع، نحن بخير..، لا.. عدني أنك ستعتني بها، عدني بذلك لأجلي.. فقلت: حسناً، أعدك.‏

بعدها بخمسة أيام توفيّ جدي، وقتها عرفت لماذا أخبرني بأن أعتني بأمي.. أشعر بالحزن كلّما فكرت بذلك، أتمنى لو أنه عاش 4 سنوات أخرى، كي يراني ألعب لأندرلخت، ليرى أني أفي بوعدي، هل تعلم؟ كل شيء سيكون بخير يا جدي.‏

على أيّ حال، هل تعلم ما هو المضحك؟ أضعت عشر سنوات من عمري دون أن أشاهد دوري الأبطال، لم يكن بإمكاننا تحمل نفقات التلفاز في 2002، في المدرسة الطلاب يتحدثون عن نهائي دوري الأبطال، تلك التسديدة من زيدان، أي تسديدة؟ لا أعلم.. لكن كان علي أن أتظاهر بأني شاهدت اللقاء كما هم شاهدوه.‏

هل تعلم متى شاهدت الهدف؟ بعد ذلك بثلاثة أسابيع، كنا في قاعة الحاسوب بالمدرسة، وأحد الطلاب قام بتحميل فيديو لهدف زيدان... في صغري لم يكن بإمكاني مشاهدة تيري هنري حتى على التلفاز، الآن أنا بجانبه في كأس العالم وأتعلم منه كل يوم.في 2002 حذائي كان مليئاً بالثقوب، بعد 12 سنة شاركت في كأس العالم، والآن سأشارك مرةً أخرى. حقاً أنا فقط أتمنى لو أن جدّي ما زال على قيد الحياة، لا دوري أبطال، لا مانشستر يونايتد، لا كأس عالم، لا أريد أن أريه شيئاً من هذا، أريد فقط أن أريه الحياة التي نحظى بها الآن، أتمنى لو أن بإمكاني أن أحظى بمكالمة أخرى معه، ليرى فقط ما نحن به.‏

هل ترى يا جدي؟ أخبرتك أن ابنتك ستكون بخير، لا مزيد من الفئران بالبيت، لا مزيد من النوم بجانب الشباك، لا مزيد من التوتر، نحن بخير الآن، بخير يا جدي، هم الآن ليسوا بحاجة لأن يتفحصوا بطاقتي، هم يعرفون اسمي بمجرد النظر إليّ.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية