تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


أزمـة الاقتصـاد التـركي تضـع أردوغان أمام خيـارات مصيــريـة وصعبـة

الثورة
دراسات
الأربعاء 5-9-2018
عبد الحليم سعود

ربما ابتعد الكثيرون عن الحقيقة حين حمّلوا عقوبات ترامب على تركيا مسؤولية الأزمة التي تعصف بالاقتصاد التركي والتدهور الذي سجلته الليرة التركية مؤخراً مقابل الدولار، في حين حاول رأس النظام التركي رجب أردوغان أن يظهر نفسه كبطل قومي في نظر شعبه على قاعدة أنه يتعرض لضغوط أميركية بسبب قضية سيادية تتعلق باحتجاز القس الأميركي آندرو برانسون، المتهم بالتدخل بالشأن التركي والتورط بمحاولة الانقلاب التي جرت في تموز عام 2016.

إلا أن القضية أكبر وأبعد وأعمق من الشكل الذي اتخذته في وسائل الإعلام ، ومن يعتقد أن أزمة الاقتصاد التركي قد ولدت بين ليلة وضحاها بسبب تغريدة ترامب حول توجهه لمضاعفة الرسوم الجمركية على الصادرات التركية من الحديد والألمنيوم فإنه بالتأكيد يتجاهل حالة الاقتصاد التركي والوضعية التي وصل إليها بسبب سياسات أردوغان عموماً وتدخلاته المستمرة في شؤون المنطقة، ومن المؤكد أن في واشنطن من يملك معرفة جيدة ودقيقة بمشكلات الاقتصاد التركي البنيوية بحيث أعطى لترامب في الوقت المناسب ورقة قوية ليضغط بها على أردوغان من أجل إخضاعه وتطويعه للسياسة الأميركية، متخذاً من قضية صغيرة كان يمكن أن تحل بعيدا عن الضجة الإعلامية والمضاعفات السياسية والاقتصادية التي رافقتها مبرراً لذلك.‏

بحسب العديد من الخبراء المهتمين بالشأن التركي فإن للأزمة الاقتصادية التركية مقدمات عديدة من بينها الارتفاع المطرد في العجز التجاري، وزيادة نسب التضخم، والنظرة السلبية لوكالات التصنيف الائتماني إلى المصارف التركية، والأداء السيئ الذي يتحمل مسؤوليته أردوغان دون أي شخص آخر بسبب تدخله المفرط في إدارة السياستين الاقتصادية والنقدية وتغوله في الحياة العامة ومصادر التنوع فيها، إذ سبق لأردوغان أن تدخل في سياسات البنك المركزي التركي، ورفض رفع معدل الفائدة لمواجهة التضخم، كما واجه الكارثة الاقتصادية التي تمر بها البلاد بإلقاء اللوم على ما سماها «مؤامرة أجنبية».‏

يتساءل أحد الخبراء لو افترضنا جدلاً أن تركيا لم تصعّد الأزمة مع البيت الأبيض، هل كان من الممكن تجنّب انهيار الليرة التركية ودخول الاقتصاد التركي هذا النفق المعتم، ومع صعوبة التفريق بين الشأنين السياسي والاقتصادي في تركيا وأهمية ذلك في رسم المشهد التركي الطارئ، فإن الإفراج عن القس الأميركي الموقوف لم يكن ليحول دون تفجر الأزمة التي تملك مقومات وملامح عديدة تساعدها على الانفجار، غير أن ترامب وجد في قضية القس ذريعة للضغط على تركيا في توقيت مناسب لتحقيق العديد من الأهداف منها، كان مطلوبا من أنقرة أن تنضم إلى جهود إدارة ترامب في إحكام الحصار الاقتصادي على إيران على خلفية الأزمة التي اصطنعها ترامب، وبما يساعد على خفض صادراتها النفطية وإرباك ناتجها المحلي الإجمالي علي المديين المنظور والمتوسط، وهو رهان أميركي على تفجير إيران من الداخل، أو دفعها بالضغوط إلى تقديم تنازلات في ملفّي مشروعها الصاروخي الباليستي وأدوارها الإقليمية، استجابة للمصالح الإسرائيلية، في المقابل يصعب على تركيا ـ أحد الشركاء التجاريين الكبار لإيران في المنطقة ـ قطع صلاتها مع إيران بالنظر إلي شكوكها العميقة في نيّات وتوجّهات إدارة ترامب بشأن القضية الكردية ومستقبلها كدولة موحدة.‏

كما كان مطلوبا من أنقرة أيضاً خفض مستوى تعاونها مع روسيا وإيران في الملف السوري، ولكن بالنظر إلى تراجع الدور الأميركي في المنطقة وفشل رهاناته، فقد وجد نظام أردوغان أن مصلحته هي في الإبقاء على علاقاته المتنامية مع المحور المتعاظم وعدم التعويل على المحور المهزوم أي واشنطن وأدواتها حيث تشي التحركات الأميركية بأنها بدأت بحزم حقائبها للرحيل من المنطقة وأنها في طور التضحية ببعض حلفائها ومنهم أردوغان الذي يصر على وجود مؤامرة أميركية من أجل إسقاطه.‏

في موازاة ذلك ـ وهذا الأكثر أهمية ـ كان مطلوبا من أنقرة وقف شراء منظومة «إس 400» الروسية الصاروخية، ووصلت الضغوط الأميركية إلى حد إلغاء صفقات سلاح متفق عليها مع أنقرة كصفقة «إف 35»، وكان أمام واشنطن احتمالان: أوّلهما أن يحاول أردوغان البحث عن شركاء تجاريين جدد مثل الروس والصينيين وبناء تحالف أقوى مع طهران تجارياً وعسكريا، وهذا يعدّ انقلاباً استراتيجياً في الإقليم ومسارح صراعاته، وثانيهما أن يعود نظام أردوغان تحت ضغط الأزمة إلى بيت الطاعة الأميركية حيث المصالح التقليدية المشتركة، فتركيا جزء من استراتيجية «الناتو» في مواجهة الدب الروسي، وخسارتها لا تعوّض، وتضرّر الاقتصادات الأوروبية مخاوفه ماثلة.‏

تقول صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية المراقبة للوضع التركي: لقد وصل أردوغان إلى السلطة بموجب وعود بإرساء حكومة قوية وشفافة ورخاء اقتصادي، وهذا ما تحقق جزء منه في السنوات الأولى لحكمه، غير أن هوسه بالسلطة والمزيد من الهيمنة، بالإضافة إلى محاولته التخلص من المنافسين، ساهم بتهميش إنجازاته السابقة.‏

وبصرف النظر عن احتجاز القس الأميركي وما تبعه من تداعيات في العلاقات الأميركية التركية، فإن طريق أردوغان نحو معالجة الأزمة المتفاقمة يتجه إلى طريق مسدود، فحجم الدين الخارجي لتركيا يصل إلى 217 مليار دولار، كما تعاني تركيا من أكبر عجز تجاري تشهده أي دولة ناشئة عبر التاريخ، وقد ارتفعت نسبة التضخم بشكل صاروخي، حتى قبل أزمة العملة التركية الأخيرة، حيث فقدت أكثر من نصف قيمتها في الشهور القليلة الماضية.‏

من الواضح أنه مع وجود كل هذه المشكلات الاقتصادية في تركيا فقد وجدت إدارة ترامب الطريق سهلا لزيادة معاناة نظام أردوغان، ودفعه نحو حافة الهاوية من نفس النقطة التي كانت سببا لصعوده في تركيا، وبقي على أردوغان أن يحسم خياراته إما باستكمال توطيد علاقاته في المنطقة مع روسيا وإيران ودول الإقليم بموازاة وقف تدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الجوار والإسهام بحل أزمات المنطقة، وإما الخضوع مجدداً للولايات المتحدة والعودة للعب نفس الدور الذي تضطلع به تركيا كعضو في حلف الناتو، غير أن هذا الخيار سيكلفه غاليا وقد يضع تركيا في عزلة إقليمية لأن التوازنات الحالية لا تسمح لأنقرة بإعادة التموضع في الاستراتيجية الأميركية دون خسائر كبيرة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية