تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


تشكيل... بسام بحري في معرضه الجديد..التشكيل الهندسي ورموز البحر والحداثة..

ثقافة
الخميس 30-8-2018
أديب مخزوم

شكل معرض الفنان بسام بحري، الذي أقامه في مركز ثقافي «أبو رمانة»، مفاجأة بالنسبة لي, وذلك لخروجه عن معطيات الصورة, وإضفاء المزيد من التحوير والتلخيص على حركة العناصر الإنسانية والأشكال المختلفة،

التي يجعلها متداخلة ومتجاورة بطريقة خيالية وفيها أحياناً قدر من السوريالية.‏

تحوير العناصر‏

وفي لوحاته يتعاطف في أحيان كثيرة مع المرأة، حيث يجسد المرأة العازفة والمرأة الرسامة والمرأة المرتبطة بأجواء المراكب والبحر, وبذلك شكلت لوحاته فسحة للتمسك بالإنسان والعالم البحري (المراكب الراسية والمسافرة والمترقبة للسفر) كم يجسد الأشكال الحيوانية ورموز الطبيعة.. كل ذلك بصياغة فنية حديثة منفلتة من قيود الدراسة الأكاديمية، إن لجهة اختيار المادة اللونية أو لجهة رؤية الأشكال المتداخلة مع المسطحات اللونية للوصول إلى الصياغة الفنية في اتجاهاتها التعبيرية والرمزية والدلالية المغايرة لما تراه العين في الأبعاد الثلاثة.‏

ولوحاته توفق بين مظاهر الحد الأدنى لإشارات الأشكال الإنسانية ورموز البحر والعناصر الأخرى، وبين المقدرة على تجسيد الأحاسيس الداخلية بالتعبير اللوني، الآتي من طريقة تسطيح المساحة، وتوحيد اللون في أحيان كثيرة ضمن المساحة، وكل ذلك بحركة خطية متواصلة دون انقطاع تؤكد الأسلوب الشخصي، وتذهب إلى درجة من العقلانية والهندسية، بحيث تتداخل الأشكال مع المسطحات اللونية وهذه الطريقة التشكيلية, التي جسد من خلالها العناصر والأشكال فرضتها وبقوة ثقافة وفنون العصر.‏

ولقد أعطى لوحاته مبدأ الحضور الخطي والمساحة الهندسية (دوائر، أقواس، خطوط مستقيمة، مستطيلات وخطوط متوازية..) حيث شكلت تجربته الجديدة تحولاً نحو التجارب التشكيلية الحديثة لإظهار إيقاعات الأشكال المختصرة (كالمراكب الشراعية والشمس والغيوم والأسماك والحصان والنسر وغيرها) وهكذا ابرز جمالية الانتقال من اللوحة الواقعية، إلى إيماءات اللوحة التي تحتضن أشكالا محورة أو على الأقل تتوقف عند إشاراتها الخارجية.‏

هكذا تجاوز حدود الصياغة الواقعية، حين جسد من خلال مساحاته اللونية الجانحة نحو الاستواء والتسطيح، المشاهد البحرية والحالات الإنسانية، مع إعطاء أهمية لحركة الخط الذي يخترق المساحات ويفصل بينها ويحدد العناصر والرموز, كل ذلك في خطوات إظهار عناصر الجذب البصري، والتماس موسيقا الخطوط والألوان، المنحازة نحو جماليات العودة إلى استلهام العناصر القادمة من بيئته البحرية في طرطوس، والمنفتحة على طروحات الحداثة والأصالة في آن واحد.‏

تسطيح لوني‏

هكذا أظهر ملامح الأشكال الإنسانية المحورة (ولا سيما المرأة) والبحرية والحيوانية والمعمارية ضمن رؤية فنية حديثة، تتراوح بين التسطيح والتبسيط، دون أن يكون هناك فواصل أو حدود بين الشكل الطبيعي المبسط وبين التكوين الهندسي، اذ ثمة تداخل دائم بينهما.‏

وهو مع ذلك يتجه لكسر هندسة الشكل, والتركيز على إبراز الحركات الخطية العفوية أو التي تأتي تلقائية ومشحونة بالانفعالات والمشاعر الداخلية.‏

واللوحة عنده هي بمثابة بانوراما مستعادة من ذكريات العيش في امكنة ساحلية، ولقد امتلك القدرة التشكيلية ووصل الى ملامح حديثة، تقدم العناصر المحلية والانسانية المختصرة من منظور فني، مع اعطاء اهمية لعفوية اللمسات اللونية المسكونة في أحيان كثيرة بالتأمل العقلاني الهادئ, ونجد في بعض الأحيان مظاهر التركيز على ابراز حركة التضاد بين الالوان الزاهية والمعتمة، وهذا يفيد في اضاءة اللوحة، وفي ايجاد فسحات منيرة داخل مساحاتها القاتمة، فاللوحة لم تعد مجرد اطار واقعي تقليدي، بل أصبحت مدخلاً لافكار جمالية خلاقة، تتعاطى مع المساحة البيضاء كلون وتكوين ومشاعر.‏

وهو لا يستقر على هذه الحالة, فكما اهتم بتقديم تكوينات هندسية متداخلة او متجاورة مع الايقاعات اللونية العفوية, فهو يعود بين الحين والآخر الى الصياغة التعبيرية، والواقعية الحديثة، كأنه يعمل على ايجاد حالة من الموازنة والمواءمة بين الايهامين البصري والعاطفي،وهذا يعني انه في صياغاته الفنية يندفع تشكيليا, من مظاهر صياغة التفاصيل, نحو مظهر تحريك الأداء العقلاني الصارم بأداء تشكيلي حديث ومعاصر.‏

عازفة التشيلو‏

وهو يقدم أنموذجاً لهذا الاتجاه التشكيلي الحديث من خلال لوحته «عازفة التشيلو» التي تظهر فيها المساحات المسطحة والصافية للون والخلفية التجريدية والانقسام في الوجه، بحيث يظهر بنفس الوقت, بطريقة أمامية وجانبية، وهكذا يعكس قدرته على إيجاد إضافات جديدة, مازجاً بين بعدين زمنيين للوصول إلى صياغة عمل تشكيلي يعكس رغبات التأصيل والتحديث, كاشفاً عن أحاسيسه الداخلية بانتقالات لونية متجانسة، بعيدة عن الانفعال والموسيقا الصاخبة، وهو يعمل على توثيق الصلة بين الملصق الإعلاني واللوحة الفنية الحديثة، وفي كلتا التجربتين يوازن ما بين التكوين المبسط ولعبة البناء الهندسي للوصول إلى إيقاعات جديدة, وخاصة في مجال صياغة اللوحة والملصق معاً, وهو يمتلك القدرة على اقتناص الإشارات الأساسية التي تكثف الصدمة البصرية وتلفت انتباه المشاهد.‏

وهذا يعني أن بسام بحري ينحاز ومنذ سنوات طويلة في لوحاته لإعادة صياغة العناصر بطريقة جديدة ومغايرة، توحي بحضور التكوينات الهندسية المتداخلة، حيث تأخذنا حركة المساحات اللونية المتجاورة والمتداخلة والمشغولة بألوان محددة وصريحة إلى موسيقا بصرية، ونجد الإيقاع اللوني يأخذ أحياناً حركة مستقيمة أو حركة نصف دائرية ودائرية انطلاقاً من علاقة هذه العناصر بالطروحات الجمالية الحديثة والمعاصرة.‏

وكل ذلك يوحي بحضور المساحات المسطحة في صياغة موسيقا اللوحة، حيث تبرز المساحات الملونة بعدة ايقاعات صريحة وزاهية تشكل أرضية اللوحة، كما ان المناخ اللوني العفوي المنظم يمنح السطح التصويري اضاءات تشكيلية معاصرة، وبالتالي يعمل على بلورة الأداء التشكيلي بتقنية لونية حديثة تصل إلى حدود التجريد الهندسي المتحرّر من الرزانة والبعيد عن الزخرفة التزيينية والتقليدية.‏

كل ذلك يعمل على تعميق دعائم لوحته الفنية مع طروحات اللوحة السورية الحديثة، حيث عمل ولا يزال، على إعادة تشكيلها من جديد وبطرق تقنية مختلفة على القماش والسطوح الأخرى وبمواد تلوينية متنوعة، وهذا التنوع التقني والتشكيلي يمنحه انطباعات جديدة وإيقاعات لونية متفاوتة, كما لو أنه يستخدم المواد المختلفة والسطوح المتنوعة للوصول إلى شفافية وكثافة مختزنة في ذاكرة التشكيل، وفي تجارب الغوص في البحر اللوني التلقائي تتواصل خطواته لإكمال مسيرته الفنية والتعبير عن هواجسه الجمالية المرتبطة منذ البداية بثنائية الاصالة والحداثة.‏

facebook.com adib.makhzoum‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية