تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


أوراق متهالكة

إضاءات
الخميس 30-8-2018
شهناز فاكوش

طغيان من أفكار متشعبة متهالكة تتوه في ذهني، ازدحامها يقلق قلمي، يجعله محتاراً، عن أيها يكتب؟ هموم الناس التي أفرزتها الحرب الملعونة.. أم المواقف السياسية المتباينة، أم أمراض المجتمع التي تتفشى.. أسرع من شظايا قذيفة حاقد متفجرة..

أفكار لموضوعات مختلفة، منها الرث، ومنها الجوهري، وآخر مهمّش لم تمسه أقلامٌ أو آراء.. وبعضها عابر على سطح أملس لكنه في المنتهى لاسع؛ رغم برودة دمه. وكأن القلم يقف في سوق الموضوعات حائراً، ماذا يأخذ منها وبأيها يبدأ.‏

عندما تكون الخيارات مهمة وساخنة، تصبح ريشة القلم حيرى؛ في استشعار ما يسَّاقط على الورق، ثم على أزرار (الكمبيوتر). لكن الوجدان الجمعي المتعطش لمحبرةٍ ينطق مدادها بلسان حاله، تجعل التعاطي مع الموضوعات أكثر تحديداً.‏

بعضاً من الخوف يساور القلم والأبجدية، هل سيحققان أملاً لحالم؛ ينتظر ما يفيض في ذاته سطوراً، هل سيقتنع ذاك المنتظر بما يقرأ؟ هل سينتفض المختص مستشعراً أَرَقَ ذاك المنتظر لما يقرأ؟ قناعات واحتمالات، رهانات تتأرجح بين القلم والحرف‏

هل ما بين السطور سيكون واضحاً؛ للمّاحٍ همه الوطن حقيقة والمواطن؟.. هل سيتعاطى المعنيّ مع وجعهم؟ تراه قارئاً أم عابراً بنظره مروراً، هل سيتابع إن وَصَلَهُ ألم متعطشٍ ليتقاطع معه؟ مقتنعاً بتطوير دوره، أم أن الأمر لا يعنيه! فهو بخير.‏

أوراق متهالكة مثل التي بدأ نزف شريان يخضورها، ليسري فيها اصفرار باهت ما يلبث أن يوهنها؛ فتسقط على الأرض. تأخذها الريح حيث تشاء، أو تستقر عند جذع شجرتها الأم متعشقة في الترب تنذر ذاتها سماداً لها، لا كما (إن مت فلا نزل القطر).‏

أوراق متهالكة كجدران بيوت دير الزور التي قَبَّلَتِ الأرض التي حملتها سنين طويلة، بيوتنا التي كانت حجارتها تدفئنا في الشتاء وتقينا حرارة القيظ المتناقصة داخلها، لترطب أجواء منازل عايشت هموم أهلها وأفراحهم، أحزانهم وحكايا الجدات.‏

ماذا يمكن للقلم أن يصف بعد مشاهد الصور التي توقفت القلوب عن النبض برؤيتها.. لم يعد للأهل دار، وليس من جدار ترسم عليه حفيدتي خطوطاً؛ كالتي رسمتها أمها عندما كانت في ذات العمر، ترانا تعلمنا من زمن الحرب.. وإلا علينا السلام..‏

الياسمينة التي كانت ترمي نجومها لتصنع منها صغيرتي قلائد وأساور تعطرها نامت تحت الركام حيث لم يسمع أنينها أحد، وهي تلفظ آخر أنفاسها.. عطر ياسمينتها شممته عبر الصور.. شهيدة مثلها في الجنة.. لعل ياسمين الجنة أزكى رائحة وطيباً.‏

هي مثل كل جميل بات دفيناً تحت الأنقاض.. والكثير سُرِقَ وبيع في سوق الحرب.. الجدران التي ضمت تعب العمر وشقاء الأيام، وحلماً باستراحة محارب.. أصبحت مثلي شريدة يحكمها المؤجر بالزيادة، مرتين كل سنة عرجاء.. فالزمن له وعليّ..‏

كم راهنت أني أقوى من الزمن، لكني ما زلت وإياه عراكاً في حلبة الحرب.. الحروف تذوب على الورق تنسج شوقاً لأرض؛ أخذت من عمري الكثير؛ كما كل أهلها.. لنهر أشتاقه كمن غادروني مبكرين، إلى محطة انتظارهم لي.‏

ذاكرة تزدحم بمفردات صيغت على ورق صحيفة الفرات التي أَلصقت الحرب نعيها في تلافيف حيواتنا.. لكنها ظلت متشبثة (الكترونياً) رغم فَقْدِ حميمية الورق.. معلنة أنها أقوى من الموت المفروض.. كما قوة دير الزور ومدننا السورية العريقة الأصيلة.‏

حيث الأحبة تحت الثرى المسكون تحت جلودنا.. الشوق والحنين المستعر في قلوب المغادرين بعيداً وراء البحر. .كما ضاقت على النبي المصطفى الحياة؛ فهاجر بأمر الله ثم عاد ليبني أمة مع من رابط حفاظاً على الهوية.. يعودون اليوم ليبنوا مع القائد وطناً.‏

أبواب سورية مشرعة؛ لتحتضن بأيدٍ أناملها صُكَّتْ من نَزْفِ نجيع طاهر.. قلوب تاقت للعودة بعد عسر البعاد، يومَ تجمد الدم في العروق من وهر العنف المقيت الهمجي المتوحش.. الأصيل الخائف وثبات الوطن داخله يعود تاركاً غربته خلفه ليبني وطنه.‏

شوق لعودتنا الداخلية، متى يمكن أن نحضن ثرى آخر منازل الدنيا لأبنائنا وأهلينا.. متى يمكننا السير على ذات الأرصفة التي لثمتها أقدامهم يوماً.. أن نملأ رئاتنا برائحة العشب والشجر (المفقود) في بساتين أهلينا.. التي أصبحت حطباً في زمن الخسة.‏

هل نتذمر من العجاج كما قبلاً، لا أظن.. كم اشتقناه رغم قسوته.. أحلامنا التائهة جزء من أوراقنا المتهالكة.. أحلام ماتت تحت قذائف الشر، غيرها حية في زوايا الانتظار.. المهم أن تبقى البلد والنهر.. ألا يسرقهما الزائفون.. من زرعوا الآه في الصدور.‏

أفقدونا بيوتنا، خربوا حقولنا، اقتلعوا وحرقوا أشجارنا، سرقوا الأحلام.. ظلت ذواكرنا عصية عليهم.. هي تحتضن كل جميل.. لتصنع أجمل منه.. وتختزن أيام الحرب لتعيد سردها مدى الحياة.. نحن لا ننسى.. خاصة حيتان الحرب من طعنوا الوطن من الداخل.‏

رغم كل الأوراق المتهالكة، إلا أن ورقة ناشطة تنهض من بين زحمتها؛ تحمل ريشة الشهيدة وألوانها، تدعو من بقي بعدها ليلوِّن أيام الوطن. ولا تكفيه ألوان قوس قزح ، فعلبة ألوانها مشتقاتها كثيرة..وقلم شهيدي الصغير يخط شعراً للوطن الرائع..‏

أما أسوأ الأوراق المتهالكة، تلك التي من أجل سلامة الوطن، تضع الضحية والقاتل على ذات النسق.. لنتجاوز الحروف والكلمات.. ما يرفع خيمة الصمت والعض على الجراح النازفة.. وكأننا أناس من كوكب آخر.. نأخذ معهم صوراً تذكارية.. نعلقها على بقايا الجدران المحطمة.. والمرارة تملأ حناجرنا وتفيض.. أن نتسامى والألم دفين!‏

ترانا لم نحب بلدنا كما أحبتنا، حتى ضاعت من بين أيدينا ولو لزمن.. هل نستفيق لنحضنها ونستعيد فيها ذواتنا.. هل بقي لنا أنوف قادرة على غرف رائحة الطرفة والغرب والخزامى؛ مثل كل ربيع طبيعي؛ في باديتنا المنكوبة من حرق النفط.‏

هل سنعود لنغرس ياسميناً بدل الشهيد.. ونملأ حدائقنا بالقرنفل، وشرفاتنا بالفل والجوري الشامي.. هل سيعود الرُّمانُ لتحمرَّ خدوده وحباته.. هل سيطرح النخل عناقيده بأنواعها.. هل ستتذوق عيوننا الجمال كما قبلاً.. أم شاهت الأبصار؟؟!!..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية