تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


العــدوان الغــربي تعبيـــر دقيــق عن الانحطــاط والاســــتعـلاء

دراسات
الأربعاء 25-4-2018
د: أحمد الحاج علي

ما كان يخطر على بال احد، بمن في ذلك أكثر الناس شذوذاً في وطننا العربي أن يكون الإرهاب بطابقيه الفكري والتنظيمي ظاهرة لها هذه الحمايات الحاضنة والضامنة على المستوى العالمي،

ولاسيما في مناهج وأوساط الغرب الاستعماري بشقيه الأميركي والأوروبي، كان الاعتقاد ان الشاذ من الظواهر يبقي المواقف في أسوأ الحالات في منطقة الظل أو الاحتجاب أو المواربة، لكن الذي أظهره واقع العدوان الثلاثي الأميركي- البريطاني- الفرنسي أثبت عكس ذلك تماماً، إن الإرهاب لديهم قيمة وحاجة وضرورة وهنا تكمن أخطر المفارقات، فالإرهاب قتل وتدمير وتعصب وتحجر وجهل وإنغلاق على الذات بينما الغرب بكل أممه ودوله يتظاهر بأنه محصلة التطور البشري، ولاسيما ما يتصل من ذلك بإنجاز الثورتين الصناعيتين الأولى التي أحلت الآلة محل اليد في المنتجات الصناعية، والثانية التي أحلت الرياضيات محل العقل، وكلتا الثورتين كانتا في الظاهر تقومان على قواعد براقة أساسها العلمانية، وفك الارتباط بين الدين والدولة، وإطلاق حرية المرأة والذهاب باتجاه دور الإنسان وقيمته في بناء التجارب الحضارية والدول المتقدمة.‏

والغريب أن هذا التطور الغربي استغرق زمناً طويلاً عاصفاً ومفعماً بالتحولات الكبرى، واستنزف أرواحاً وأنفساً واستهلك دماءً بريئة، الأمر الذي اعتقد المفكرون والمحللون أن النموذج الغربي هذا هو المثال الصالح للاحتذاء، وهو الضمانة الثقافية والسياسية لكل الباحثين عن وجودهم الحر المنتج تحت سماء هذا العالم الأسير وفوق أرضه، لكن الذي حدث هو اندفاع ظاهرة الهيمنة والنهب والتعالي على الشعوب، في ذات السياق الذي اندفعت فيه قيم الغرب الجديدة فأنتج هذا الغرب ظاهرة الاستعمار من جديد، وأهل مصادر قوته ومناهجه لكي تكون البيئة المنفتحة على الهيمنة، والقادرة على ابتكار أطوار الظلم وأشكال العبودية ونماذج النهب المنظم لثروات الشعوب المغلوبة على أمرها.‏

كان التوقع والأمل أن تتحول مبادئ الثورة الفرنسية الممثلة بالعدل والمساواة والديمقراطية إلى محركات ومحرضات لصبوات الشعوب الباحثة عن خلاصها، وأن تتحول مبادئ ولسون الأربعة عشرة، وهي أميركية المنشآ، ومعها مبادئ مؤتمر وستفاليا إلى نصوص مؤسسة نظريا لتأطير المساواة وحقوق الشعوب والمناداة بمبدأ الحوار والديمقراطية، ولكن الذي حدث هو عكس ذلك تماماً، خان الغرب ما أطلقه من شعارات وانقلب على المبادئ واذا به يتحول إلى قوة قهر لارادة الشعوب وأذرعة بطش وتدمير لحضارات الأمم مع أنها ما زالت تستمر في الخدعة الكبرى، وهي تعلن أنها إنما تفعل ذلك من اجل خير البشرية وتطوير مقدراتها والأخذ بيدها نحو النهوض والمساواة، وتنظيم طاقة البشر والدخول في عمق استراتيجيات التنمية في استثمار الموارد، بشرية كانت ام مواد خام ام خططاً خمسية او عشرية.‏

ولكن المأساة كانت في هذا الخداع الذي استقر كخصائص متجذرة في نظرة الغرب الامبريالي للشعوب المتناثرة على مسافة الكرة الأرضية، والتحقت الولايات المتحدة الأميركية، ذات المنشأ المصنع في الأصول الانجلوسكونية بموكب الهيمنة والاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وصار هذا الثلاثي المشؤوم، اعني أميركا وبريطانيا وفرنسا، هو القوة الموحدة بذاتها والمسيطرة بالنار والبارود والخداع والفبركات على القسم الأكبر من سكان هذا العالم، وفي هذا المنحى احتلت الولايات المتحدة بالتدريج مركز القيادة والتحكم في المشروع الغربي، وصارت فرنسا وبريطانيا مجرد تابعين يلهثان حول طلب ود الاستعمار الأميركي، وظهرت في هذا التيار تطلعات الحركة الصهيونية، فكان الكيان الإسرائيلي هو الناتج الذي احتوى هذه التطلعات وتزايد الموكب الأسود بإطلاق المعاهدات، التي يقصد منها ضبط حركة العالم على المعيار الغربي ومن ذلك حلف بغداد وحلف المعاهدة المركزية (السانتو) والحلف الإسلامي ونظرية سد الفراغ في الشرط الأوسط، وعوامل تكبيل أخرى كثيرة وتمثلت الثمرة الأكثر مرارة في سايكس بيكو وفي وعد بلفور، ومن ثم في إنشاء الكيان الصهيوني على قاعدة الخداع والمخاتلة، والتظاهر بأن كل شيء في الغرب إنما هو لمصلحة شعوب العالم وسعادة البشرية في كل مواقعها.‏

وبالنسبة لنا نحن العرب كانت التطبيقات الغربية تحظى بالنصيب الأوفر فينا وعلى حسابنا، ومن هنا تم تأهيل الظروف لإيجاد الكيان الصهيوني، وكانت الوحدة بأي شكل من أشكالها ممنوعة عند العرب، لان هؤلاء العرب هم ممتلكات لا يجوز أن تحظى بإرادتها وان تعبر عن ذاتها وان تستثمر ثرواتها، ورأينا في سياق ذلك هذا التصدي للوحدة المصرية السورية منذ عهد محمد علي.. مروراً الى وحدة القطرين المصري والسوري في العام 1958، إلى مشاريع التمزيق بدءاً من بداية الستينات مع مرحلة استعادة الوعي القومي ولاسيما في مصر والعراق وسورية واليمن وليبيا والجزائر، وكان لا بد من إعادة النظر في العرب من حيث وجودهم وتوضعاتهم ومن هنا كان هذا التركيز على إنشاء تنظيم الإخوان المسلمين، بدءاً من العام 1928 وبعد ذلك تثبيت قواعد النكبة الفلسطينية والانتقال الى النكسة العربية في العام 1967 ، لكن ذلك كله لم يشف غليل الغرب ولم يلب طموحاته ومشاريعه السياسية والثقافية ولاسيما بعد سلسلة من الإنبعاثات بدأت مع حرب تشرين في العام 1973 مرورا بتحرير الجنوب اللبناني في العام 2000 واستقراراً في المحطة الأهم في انتصار حزب الله على الجيش الصهيوني.‏

وبدا واضحاً أن حالة من الانتعاش والتكامل تفرض حضورها في الوطن العربي ولاسيما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، لكن ذلك أيضاً كان بحاجة الى قواعد تثبيت، فاهتدى الغرب للإرهاب وأطلقوا أذرعته بعد إعداد في الانفاق لعشرات السنوات، وحينما ظهر هذا النمو لردع الإرهاب والرد عليه في سورية لجؤوا الى الاعتداء المباشر بالصواريخ والطيران كما في الأيام الأخيرة وما زال الحبل على الجرار.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية