تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


البحث عن الحقيقـــة في ركام دوما

The Independent - الثورة
دراسات
الاربعاء 18-4-2018
ترجمة ليندا سكوتي

سأروي لكم قصة مدينة اسمها دوما باتت اليوم مدمرة ومنكوبة تضم في حناياها ركاماً لأبنية كانت قائمة بالأمس، وعيادة طبية أنشأت تحت الأرض لتعطي منظوراً عن الافتراء والغبن

الذي اختلقه ثلاث من كبار دول الغرب بل العالم أجمع لتبرير أعمال قصف لمواقع سورية، وفي هذه المدينة التقيت طبيباً دمثا يرتدي معطفاً أخضر اللون، دعاني لدخول عيادته حيث أفصح لي والابتسامة تعلو وجهه وفاجأني بالقول بأن المشاهد التي وردت في أشرطة الفيديو وتناقلتها وسائل الإعلام وأثارت القلق والرعب لدى المشاهدين في شتى أنحاء العالم تمثل حقيقة وواقعاً مؤكداً على الرغم مما يكتنفها من شكوك.‏

في زمن الحروب يكثر الرواة والروايات مما يعقد عملية الوصول إلى الحقيقة، إذ ذكر لي الطبيب السوري الذي يبلغ من العمر 58 عاماً معلومات تتنافى مع ما بثته وسائل الإعلام الغربية حيث قال بأن أياً من المرضى لم يشم أي رائحة للغاز بل ما جرى تصويره ليس في واقعه إلا نقص في الأوكسجين جراء تواجد المواطنين في أنفاق تعج بالغبار ورائحته، أو نتيجة لوجودهم في الملاجئ، ذلك لأن المعركة التي اشتدت في تلك الليلة قد أسفر عنها تصاعد للغبار وكأن عاصفة ترابية قد اجتاحت المنطقة.‏

لقد بدا من الجدير الأخذ بالاستنتاج الذي توصل إليه الطبيب عاصم الرحيباني إن أردنا وضع الأمور في نصابها، لكن من المؤسف أن نجد اتهامات توجه للحكومة السورية باستخدام الأسلحة الكيماوية في يوم 7 نيسان حيث تدعي فرنسا بأن لديها (الأدلة) على استخدام الأسلحة الكيماوية، كما وأن الماكينة الإعلامية الأميركية تدعي بأنها تنقل عن مصادر موثوقة القول بوجود تلك المواد السامة في بول ودم الأشخاص الذين تم إجراء اختبارات لهم، في الحين الذي تزعم به منظمة الصحة العالمية بأن عناصرها قد تمكنوا من معالجة 500 حالة (بدت عليهم أعراض ومؤشرات التعرض لمواد كيماوية سامة).‏

قبل أن أتابع سرد ما مرَّ معي من أحداث يجب على القراء أخذ العلم بأن تلك الرواية ليست بالوحيدة التي سمعتها في دوما، إذ التقيت بالكثير من الأشخاص وتحدثت إليهم وسط ركام المدينة حيث أكدوا نفيهم للروايات التي تقول (باستخدام الغاز السام) والتي تسردها التنظيمات المسلحة، وأكبر دليل على ذلك هو أن تلك المجموعات بقيت على قيد الحياة من خلال العيش في منازل الآخرين وفي الأنفاق الواسعة التي تمكن بها المسلحون من فتح طرق تحت الأرض بإجبار السجناء والمحاصرين على استخدام المعاول لحفر ثلاثة طوابق تحت المدينة.‏

إن قصة دوما لا تقتصر على استخدام الغاز فحسب، إذ ليس ثمة غاز استخدم أصلاً، إنها قصة الآلاف من السكان الذي لم يختاروا الصعود إلى الحافلات التي خرجت من دوما محملة بالمسلحين الذين فرضوا على المدنيين العيش كسكان الكهوف على مدى العديد من الشهور، وقد تجولت في شوارع المدينة بحرية تامة دون أن ألاحظ أياً من رجال الأمن يتعقب خطواتي، ولم يرافقني سوى صديقين سوريين حيث وجدنا أنفسنا مضطرين لتسلق متاريس يبلغ ارتفاعها 20 قدماً، والصعود والنزول على ركام الأحجار، لكننا مع ذلك شهدنا الابتسامة على وجوه السكان عند رؤيتهم لنا ذلك الأمر الذي افتقدوه منذ أمد بعيد، وكانت سعادتهم أكبر عند شعورهم بفك الحصار عنهم.‏

وعلى مسافة قصيرة من المجلس البلدي لمدينة دوما والذي تحول إلى ركام كانت عيادة الرحيباني، ومن باب العيادة التي تقع على النقطة 200 تحت الأرض (كما يقال في علم الجيولوجيا) تمكنا من الدخول إلى ممر يقود إلى مستشفى متواضع يحوي عدداً محدوداً من الأسرة حيث كان هناك طفلة تبكي وحولها مجموعة من الممرضات.‏

وفي هذا المكان قال لي الدكتور رحيباني انه في تلك الليلة كان مع عائلته في الطابق السفلي من البناء حيث تزامنت المعارك المحتدمة مع هبوب رياح عاتية تسببت بغبار كثيف نفذ إلى الأقبية والملاجئ التي يعيش بها السكان الأمر الذي حدا بالعديد منهم إلى التوافد إلى المواقع الطبية استدراكاً لنقص الأوكسجين، وليس التسمم بالغاز، وفي هذه الأثناء، وقف رجل من ذوي الخوذ البيضاء عند الباب وأخذ يصرخ قائلاً (غاز) وبدأت الكارثة، وهرع الأشخاص يصبون الماء على بعضهم البعض، نعم.. لقد تم تصوير الفيديو في هذا المكان، إنه حقيقي، لكن الأشخاص الذين تم تصويرهم كانوا يعانون من نقص في الأكسجة وليس من تأثرهم بالغازات السامة. وفي هذا السياق، اعلمني رجل يدعى نزار أبو عايش بأن ابن عمه قد نفذ به حكم الإعدام من قبل جيش الإسلام لاتهامه بتأييد الحكومة السورية.‏

لعبت منظمة الخوذ البيضاء المدعومة غربياً دوراً في تأليف روايات خاصة لتذكي بها الأكاذيب والروايات المختلفة، إذ لا يخفى على أحد بأنها تتلقى تمويلاً من قبل وزارة الخارجية البريطانية ومن قبل جهات أخرى، وقد دخلت مكاتبهم المدمرة غير البعيدة عن عيادة الدكتور رحيباني، حيث شاهدت قناع غاز بالقرب من إحدى الحاويات، وكان المكان ممتلئاً بالكبسولات والمعدات الطبية المهشمة والملفات والبطانيات والمفارش.‏

لقد أخبرتنا إحدى النسوة بأن كافة عناصر (الخوذ البيضاء) في دوما قد غادروا مقراتهم الرئيسة واختاروا ركوب الحافلات لتنقلهم إلى محافظة إدلب مع المجموعات المسلحة وذلك بموجب اتفاق الهدنة الذي تم التوصل إليه.‏

يتبادر إلى ذهني تساؤل عما سيقوله ركاب الحافلات حين وصولهم إلى مقصدهم في تركيا وإن كانوا سيسهبون في أكاذيبهم ووصف الهجوم المزعوم عليهم بالأسلحة الكيماوية ذلك الأمر الذي نفاه أهل دوما جملة وتفصيلاً؟ كما تبادر إلى ذهني ذات السؤال عندما كنت أسير لمسافة تناهز الميل في أنفاق ذلك السجن الكبير الذي عاش به مواطنو دوما معزولين عن كل ما يتعلق بمصيرهم، وكان لوصولنا إلى مواقعهم ومشاهدة الأجانب بين ظهرانيهم الأثر البعيد في إسعادهم ورسم البسمة في وجوههم, لقد تحدث لي سكان دوما عن المتطرفين الذين سيطروا على المدينة، وعما قامت به المجموعات المسلحة من الاستحواذ على منازلهم سعياً منهم في تجنب قصف الطائرات السورية، وحدثوني أيضاً عن حرق (جيش الإسلام) لمكاتبه قبل المغادرة.‏

سألني ضابط سوري رفيع المستوى إن كانت لدي الرغبة برؤية مدى عمق الأنفاق وامتدادها، فلم أتردد بالموافقة ومشيت لمسافة طويلة في النفق ثم توقفت بعد أن شعرت وكأنه قد يمتد إلى ما لا نهاية، وعندها اكتنفتني رغبة بطرح سؤال على تيريزا ماي التي ربطت غاراتها بأسباب واهية عن ماهية الأسلحة الكيماوية التي تدعي بها وهل لديها حقاً معلومات في ذلك؟!‏

بقلم: روبرت فيسك‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية