تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


في معرض وندوة «جبران الفنان المخلّص».. دعـــوة إلـــى النقــــاء والمحبــة وقبــــول الآخــــر

ثقافة
الأربعاء 25-7-2018
فاتن أحمد دعبول

تبقى كلماته تنبض بالحياة، وتغزو حياتنا كلما ضاقت بنا ظروف الحياة وأثقلت كاهلنا لتسكب من معينها بردا وسلاما على أرواحنا المتعبة، لتعيدنا من جديد إلى بر الأمان محملين بجرعات

ربما تكون بلسما يعيننا على الاستمرار ومتابعة رسالتنا في الحياة والعمل من أجل نشر المحبة وتحقيق السمو الإنساني في عالم أنهكته الحروب والنزاعات وأتعبه التهافت على المطامع التي لاطائل لها.‏

وربما نالت كتابات جبران حيزا كبيرا من الاهتمام لجهة الدراسة والتحليل والنقد على مستوى العالم العربي منه والدولي لغنى محتوى مؤلفاته شعرا وقصة ورواية، ورغم أن الفن والرسم أخذ حيزا كبيرا من حياته وعرضت لوحاته في أضخم المعارض الدولية وإلى جانب أشهر الفنانين التشكيليين في العالم، لكن لم تحظ بالدراسة والاهتمام كما كتاباته، فكان هذا المعرض الذي أقيم في مركز ثقافي «أبو رمانة» بمبادرة شخصية من الإعلامي والناقد التشكيلي أديب مخزوم إضافة لندوة شارك فيها كل من د. نزار بريك هنيدي، وأديب مخزوم، ود. فايز فوق العادة، بإدارة السيدة رباب أحمد مديرة المركز.‏

جبران الفنان‏

وبين أديب مخزوم أن جبران أمضى طفولته وسط طبيعة وادي قنوبين وقرية مرجحين الطبيعة الجبلية المطلة على امتداد سهل البقاع التي تركت بصماتها الواضحة على أسلوبه التشكيلي الجانح نحو الرمزية الصوفية والحامل مسحة شاعرية رومانسية، وقد برزت نزعة الرسم عند جبران في الطفولة، وفي بوسطن تعرف إلى المصور «فرد هولانداي» المغرم بالشعر وتصوير العاريات، فكان المؤثر الأول له في توجيه جبران لاستلهام الجسد الأنثوي العاري.‏

ويقول يوسف حويك أن الفن كان بالنسبة لجبران نوعا من الفلسفة وكان يقترب من المدرسة الفلورانسية، وكان جبران يملك إحساسا رومانسيا صادقا، وقد تغلغل الاتجاه الرومانسي في فن جبران خلال علاقته الأولى ب جوزفين بيبودي، وكان يعتبرها ينبوعا للرومانسية وموحيته الشاعرية الأولى والتي شجعته على كتابة رواية الأجنحة المتكسرة.‏

وقد تبنى جبران الاتجاه الرومانسي في رسوماته وكتاباته كمنطلق لتجسيد رؤى شرقية تنطلق من حيوية الروح، والعري عنده مدخل لولوج طريق جديد للرومانسية الرمزية وهذا ماأكده في قوله «أنا مدين بكل ماهو أنا إلى المرأة، لأنها تفتح نوافذ في بصري والأبواب في روحي..».‏

النبوة.. دعوة للمحبة والتسامح‏

وفكرة النبوة عند جبران كما يبين د. نزار بريك هنيدي كانت مبكرة جدا، وهي تقوم على ركائز ثلاث، الإيمان بوحدة الوجود، وفكرة الذات العظمى، والركيزة الثالثة تقوم على مفهوم الإنسان الكامل، وظهر ذلك في كتابه الأول «الموسيقا، عرائس المروج في شخصية يوحنا المجنون، وفي الأرواح المتمردة في شخصية خليل الكافر، وصولا إلى نصه الهام، إرم ذات العماد» حيث تلتقي بشخصية أخرى تظهر عندها الملامح الأولى لفلسفة النبوة وتكتمل في كتابه «النبي» الصادر في العام 1923 وهو أكثر الكتب مبيعا.‏

والنبوة عند جبران هي مرحلة من مراحل عودة الذات الإنسانية إلى الاندماج بالذات الكبرى والخالقة والتي منها كان هذا الوجود، فكل شخص فيه قبس من الروح الإلهية ويطمح الإنسان للاندماج بالذات العظمى كي يستطيع أن يصل ليكون إنسانا كاملا عن طريق التقمص في حيوات مختلفة وتنقية النفس وتطهيرها.‏

وقد تجلت في كتابه «آلهة الأرض» توق الإنسان إلى النبوة وظهر ذلك في سؤاله: أنه إذا أصبح جميع الناس آلهة فهل سينتهي الوجود؟ ويجيب أنه لن ينتهي وسيبقى الإنسان المحور الرئيسي وتبقى المحبة هي الهدف لفكرة النبوة عند جبران في جميع كتاباته.‏

لامعرفة دون تأمل‏

اعتبر جبران فنانا تشكيليا غربيا لأنه لم يقترب كثيرا كما اقترب في أدبه من الشرق، بل مال إلى المدارس الغربية بحسب الدكتور فايز فوق العادة وقال ظهر ذلك ضمن لوحاته 526 المعروفة وعدد منها في بشري 442 لوحة و84 في جورجيا، وقد مر الفنان بمراحل عديدة أولها اعتمادة على الألوان الزيتية ومنها لوحته «المولودة عارية» ومن لوحاته الهامة والتي لاقت شهرة كبيرة لوحة «تجلي الروح» ولوحة «التطهير الروحي» ولوحة الرقص على القمة، رسمها بلون الموف الذي هو لآلهة السوريين مايؤكد أن سورية تقطن خلايا روحه.‏

ويعتمد جبران على التأمل فلا معرفة دون تأمل والكونيات تحتل كل كلمة قالها جبران يقول: «منذ 25 سنة خطتني يد الزمان كلمة في كتاب هذا العالم الغريب الهائل، وهأنذا كلمة مبهمة ملتبسة المعاني ترمز تارة إلى لاشيء وطورا إلى أشياء كثيرة..»‏

رؤى فنية‏

ويتوقف د. غسان غنيم بقوله عن المعرض الذي شارك فيه أكثر من خمسين فنانا وفنانة من سورية ولبنان إن المعرض لايعبر عن جبران لأنه يركز فقط على بورتريه لجبران وكان الأجدى أن يقرأ الفنان أعمال جبران ويعيش الأجواء التي استطاع جبران أن يجسدها وتسليط الضوء على الروحانية العالية ويرسم من خلالها مايمكن أن ينطبع في داخله من جبران ومن رؤى وحالاته الفنية.‏

ويقول: لوكنت فنانا لقمت برسم أحدهم يكسر الناي للتعبير عن أحلام جبران التي انكسرت وانكسار الرؤى الرومانسية التي نادى بها جبران والرؤى الروحية التي حاول أن يجعله بين البشرية.‏

وجبران يشكل حالة من حالات النبوة الحقيقية التي استطاعت أن تجلب الأشياء السامية والقادرة على الدخول إلى أعماق الإنسان وتجسد إنسانية الإنسان في أعلى مراحلها لتبشر بحالة مثالية، ولتعترض في الآن ذاته على كل ماهو ضد السمو الإنساني والبراءة الإنسانية التي تجسد أعلى مساحة للروحانيات.‏

لقاء حضاري‏

ويثني د. محمد غنوم الفنان التشكيلي على هذه التظاهرة الحضارية بمشاركة عدد كبير من الفنانين رغم تفاوت المستوى ، منها تظاهرة جميلة تعيد إلينا تلك العوالم التي تميز بها جبران سواء على صعيد الكتابة أو الرسم.‏

والفنانة جوليا سعيد التي شاركت بلوحة بورتريه عن جبران في عمر الشباب سكبت من خلالها تلك المسحة الجمالية لهذه الشخصية الإشكالية وكيف تبدت في ملامحه علامات الإبداع، وقد جاءت من طرطوس خصيصا للمشاركة في المعرض وأصرت أن تهدي نجاحها لأستاذها أحمد خليل وقد منحها فرصة المشاركة في كتابه «طريقك إلى النجاح» وهي ترى أن المعرض فرصة للقاء الفنانين وتبادل الخبرات.‏

وكان لجبران وأفكاره وروحانيته وقع خاص عند الفنان رامي مخلوف الذي رسم جبران أمام الجمهور وقد لفته هذا الإنسان بما يتمتع به من إحساس عال وقد دمج بين الكلمة والفن وسبق له أن رسم تشارلي شابلن وجيفارا لأنه يجد في هذه الشخصيات العظيمة ملهما له يستقي من أفكارهم ويغوص في إبداعهم.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية