تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


كتاب... (عيدٌ بعيد)..فالسـلام علـــى الوطــن.. فهـو روحٌ في الشــهيد..

ثقافة
الأربعاء 18-7 -2018
هفاف ميهوب

حين يُهدي الشاعر ديوانه لوطن أغرقهُ المحتلُّ بالدماء، تصيرُ القصائد صلاة لأرواح الشهداء.. حين يهديه لأمّهْ، تتحوّل إلى مرايا يرى نفسه فيها كلّ من افتداهُ وعَشِقهْ..

حين يهديهِ إلى أهلهِ في شتاتهم، لابدَّ أن ينحني الشعر ليلقي السلام على خِيامِهم.. بعدها، تبسملُ القصيدة باسمِ وطنها، مرتِّلة آيات انتمائها:‏

وطني أحبُّكَ/ لا تلُمْني/ إن طالَ نزفي، والجِراحْ/ هذي جِراحُكَ في فمي/ قلمٌ تُشرِّده الرِّياحْ/ هذي دماؤُكَ، لا دمي/ في كلِّ شبرٍ من ثرى دمكَ المُباحْ/!!.‏

إنه مارتّله الشاعر «رضوان قاسم» في ديوانه «فاءٌ أنا» الذي أسقط فيه الضمائر المتخاذلة والخائنة والمنفصلة، ورفعَ الضمائر المقاوِمة والمُتَّصلة. المُتَّصلة بفلسطين المُعرف بها، والصارخ باسمها:‏

أنا قلمٌ بأرضِ الشِّعرِ ساعِ/ بلا قيدٍ ولا سجنٍ يراعي/ أنا المحكومُ بالمنفى وقَسراً/ بصوتِ الشِّعرِ أُسمِعُكمْ دفاعي/ أرى وطني تناوشهُ وحوشُ/ وتلدغُ قبلتي الأولى أفاعي/..‏

هو وجده وأبداً يجلدهُ.. الوجدُ لـ «هُم» لأبناءِ وطنه ممن لم يغادروا جرحه وحرفه. أحبّته، ممن كتبهم بدمعِ الرحيل وأوتاد الخيمة الشريدة.. أهله، الذين نفاهم الحقد من وطنهم إلى حيثُ أطلقتهم القصيدة:‏

هم علَّموني كيفَ أكتبُ حزنَهم/ هم في القصائدِ يرتدونَ الأسطرا/ أهلي ولو مرَّ النَّسيمُ بأرضِهم/ لخشيتُ يجرحهم ويخدشُ مظهرا/ من ذاقَ طعماً للمنافي مثلنا/ لا بدَّ يصبحُ شاعراً أو ثائرا/.‏

أيضاً، هو وجدهِ لكلِّ ما تنسّمه فضاء عشقٍ به تعطّر.. لكلِّ مارأى فيه أكثر من وجهٍ للمدينة الحبيبة. إذ أن «للقدسِ وجهٌ آخر».. وجهٌ، لا تكلّف فيه ولا تصنُّع.. لانفاقَ بل آفاق.. كتلكَ التي رحلَ القلبُ إليها، فصارت معانيها:‏

إن يرحلُ القلبُ المعنَّى إثرها/ أنكرتُ قلبي لو يعودُ ويرجعُ/ قلبي أقامَ مدينةً لمدينتي/ كلُّ الشوارعِ في دمي تتقاطعُ/ للقدسِ شمسٌ لا تكون لغيرِها/ إن جاءَ ليلٌ لا تنامُ وتهجعُ/..‏

نعم، هي القدس التي تكبر فيه كما الأحلام.. يتّسع الشوق لديه فينقشهُ على صخرِ الأيام.. يكبر فيسأل: «من منكم» هرمت ذاكرته، فليلقِ الحبّ عليها سلام..‏

إنها موسوعة البقاء، ولا بقاءَ إلا لما يجعل الشعر المقاتل ينضم إلى «موسوعة الشهداء». لا بقاءَ ودمعة القدسِ تبكي أمجاد العرب ممن خلعوا عروبتهم فتعرّى فيهم الولاء بلا حياء.. ارتدوا الغريبَ فصفعتهم كفُّ الخيانة، ولم يبقَ إلا الشعر وفياً يصدحُ بالأمانة:‏

هذي بلادي كلُّها عربيَّة/ لو قُطِّعتْ ألفاً منَ الأجزاءِ/ بغدٍ يضيءُ النُّورُ في عَتَماتِها/ والشَّمسُ تُشرقُ في دُجى الظَّلماءِ/ أنا واحدٌ من ألفِ مليونٍ رأوا/ أن يدخلوا موسوعةَ الشُّهداءِ/..‏

لاشكّ أنها القصائدُ السخيّة، يُغرقها الشعراء بكلماتهم الوفيّة. قصائدٌ اشتعلت بالغضب، ولأن الـ «أمَّة نامت على ضيمٍ» فـ «بكتْ الأرضُ دماً من شدّة العتبِ»..‏

القصائدُ التي تعلو بالنشيد: «عيدٌ بعيد» لاحاجة للعيدِ.. لاحاجة إلا للسلامِ على الوطن، والوطنُ روحٌ في الشهيد..‏

في العيدِ شوقٌ في الوريدْ/ لجدارِ منزلنا المهدَّمْ/ لتُرابِ أمّي في المُخيّم/ أمَّاهُ ياأمَّاهُ/ ابنكِ مرَّتينِ لقد تيَّتمْ/ يتلوكِ فاتحةَ الكتابِ من البعيدْ/.‏

تتوالى القصائدُ وسؤالها: «دورُ منْ؟!».. من يكفكفُ نزفها ويُضمدُ جرحها.. من ومن؟!! يُبقي الشّعرَ مشرئباً ويعلو أبداً في القمم؟!!.. يخلّص بلادي من الأعادي، ويكتبها بأنفاسَ القلم؟!..‏

من ألفِ عامٍ يا ألمْ/ سبَّابتاكَ على الزِّنادِ/ وصُدورنا بُكمٌ وصُمّْ/.. هو دورُ من؟.. لا لا تنادي/ الرأسُ طأطأ للقدمْ/..‏

هكذا يمضي «قاسم» حاملاً نور قصيدته، علّها تحرق الظلام باشتعالِ فتيلِ آهته.. ساعياً لاحتراقٍ يجعل الرفاق يمضون خلفه، ويطالبون بما طالبَ به وإن لقيَ حتفه..‏

يمضي بالشعرِ الذي يُلحُّ، لتخليصِ القصيدة من «فصول الجرح والملح».. من غوغاءِ البلاءِ الذي أصابها بعد أن استشرى الأعداء..‏

أدرِ الدفّةَ ياربَّانْ/ نشعرُ أنَّ العمرَ ثوانْ/ وبأنَّ الريحَ الهوجاءَ السوداءْ/ ألقتْ في بحرِ الغربةِ مركَبنا/ فابتعدتْ عنّا الشطآنْ/ لا الأرضُ توافينا/ أدمتْ أيدينا لمْ يُفتحْ بابْ/ والبحرُ يُعادينا/ يتصادقُ مع بحرِ الأحزانْ/..‏

كلها قصائدٌ من ديوان «فاءٌ أنا». فلسطين التي كتبها الشاعر بنزيفِ الأوجاع ودموع الوجد والضياع.. بدماءٍ هدرت كهديرِ البحر. بأحلامٍ تزاحمت للصحوِ كما لو أنها ارتدّت من ظلامِ القبر..‏

كتبها «قصيدةٌ بالفحم» وبأسود الواقعِ العفن.. بخيبة الأماني وفائضِ الشجن: ماذا إن؟!!..‏

غير السوادِ فهل ترى أهدى الوطنْ/ لم يُهدِنا إلا بياضاً واحداً/ لم يُعطِنا إلا بياضاً للكفنْ/..‏

لاشكَّ أنه الاحتراق الذي أشعل فيه إلا الحبّ الذي ملّح به جرحه فاشتعلَ حرفه.. اشتعلَ فصارَ رصاصاً مزّق عدوّه، ووشاحاً ألقاهُ عليهِ فأضاءَ نورهْ.‏

كل ذلك، جعله يمضي إلى عرضِ البحر، وبسفنٍ وأشرعةٍ ربّانها الشعر.. يعلو موج القصائدِ فيه فيخضعها لوطن يعتريه. وطن الرحيل وتسأمُ، كلّ المنافي وتُهدم.. يتنسّم أنفاسَ أرضه، ويعتذرُ بأنينِ العشقِ في وجده:‏

عذراً بلادي يا فلسطينُ الَّتي/ قبلَ الولادةِ حُبّها أتنسَّمُ/ عُذراً فباسمكِ لن أقولَ قصيدتي/ إن قلتُ فاءً بعدها أتلعثَم/ فاءٌ تأفَّفتِ العروبةُ من دمي/ فاءٌ وفاءتْ للخيامِ جهنَّمُ/ رَجَزٌ بَسيطٌ وافرٌ متقاربٌ/ كلُّ البحورِ للاجئٍ لا تُنظَمُ/ بحرٌ لهُ يُدعى الشَّتاتَ عُروضُهُ/ خِيَمٌ خيامٌ خيمةٌ ومخيَّمُ/..‏

بالتأكيد هي «تداعيات في المنافي» لشاعرٍ طوى غربته في الحقيبة والـ «سفر».. الكلّ يرقب موته في كلّ «هجرة» ولايدري بأنه من رحمِ القبر..‏

هي أيضاً، قدرٌ جعل الترحال «جينات» يورثها الشعب لبعضه نكبات.. شعبٌ، يرى المخيم «يقين» محمَّلاً بأكثر من «عهد» بالعودة لفلسطين.‏

«مشهدٌ» تشهدهُ الدروب، ومعاناة من عبّد الطريق بـ «الهروب».. إذاً.. «هنا القدسُ» هو مرتجى عودةٍ تحتاج إلى تذكرة، و «تذكرة العبورُ» إليها قصيدة والمفخرة: يبقى الكلامُ تفاخراً وتباهياً/ حتى أنالَ شهادةً هي مفخرهْ‏

وكأنها «نبوءة» كانت ذات منفى رأى فيه خيول العرب تقودها أقزامُ أقوامٍ لايمكن أن تنتصر.. نبوءة، بكتْ من مهازل الأعرابِ، فكفكفَ دمعها السلام، وانتشت بـ «أرقِ العطر» الذي كان ينتشرُ..‏

أرقُّ العطرِ من بردى/ بِرغمِ الآهِ ينتشرُ/ شقيقُ العمرِ يابردى/ على شطّيكَ أنتظرُ/ فلا تحزنْ لعاصفةٍ/ لأمطارٍ ستنهمرُ/ إذا اسودَّتْ غيومُ الأفقِ/ ماءُ النهرِ ينتصرُ/..‏

كل ذلك في ديوانٍ استشعرناه يحمل «صرخة» الشعرِ في تجلياتِه، ونشوته وغيبوبته وقناعته:‏

«لم ألقْ إلا واحداً بالألفِ، يُزهرُ في الليالي المظلمة/ والآخرون مقنَّعون يخبِّئون مسيلمهْ»..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية