تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


مـتــلازمـات الـنـصر والمسـائل الــوطـنـيــة

دراسـات
الأربعاء 18-7 -2018
بقلم د: فايز عز الدين

في التاريخ الإنساني حُقَبٌ تُبنى خصوصيتها على الحراك الوطني لتتّفق الناس، أو تختلف فيكون الحال الداخلي راجعاً لتناقضات العوامل الداخلية، وتجاذبات القوى السياسية،

أو الاقتصادية؛ وعليه فالفضاء الداخلي للوطن المقصود يضيق أو يتّسع وفقاً لتقدم جبهة، أو لتقهقرها، وبالنهاية تأتي الحلول من ما يتقرّر بين الفرقاء المعنيين إنهاءً لأزمة، ورسماً لخارطة وطنية جديدة سياسيةً كانت أو اقتصادية، فترحل حقبة فقدان الاستقرار والتوازن الداخلي لتدخل بديلاً حقبةُ السلم الأهلي، والأمن الوطني المؤهّلين لفتح الطريق الأفضل نحو المستقبل المتعيّن بإرادة الجميع. أما الحقبُ الوطنية التي تشتبك فيها العوامل الخارجية مع العوامل الداخلية، ويتعرض الأمن والسلم الوطنيين للتحدي الخارجي ويدخلُ زمنُ الحرب الوطنية، أو الحرب على الوطن من الخارج كما هو الحال في بلدنا سورية، فيضيق الفضاء الداخلي الذي يتعرض للحرب أو يتّسع، وفق خارطة الميدان التي يفرضها الداخل على الخارج مصدر التحدي، أو العكس.‏

ومن الملاحظ في الحالة السورية أن الذي قررته القوى الحليفة للعدوان الإرهابي على سورية قد اجتهدت فيه لتغيير معادلات وطنية كثيرة تعتبر الأساس في صلابة البنية الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، من منظور أن التغيّر في العقد الاجتماعي التاريخي، سوف يحقّق التغيير المخطط له من الخارج ولا سيما فيما يتعلق بوحدة الأرض، والمجتمع، ووحدة الإرادة والمشيئة للوطن، والمواطنين، وقد انصبّت غايات الحرب الإرهابية علينا على تكريس التغيير من الخارج نظراً لصلابة البنية الثقافية للناس، وكون الذهن الجمعي قد اكتشف مبكراً أهداف ما خططوا له أن يحدث باسم الربيع ابتداءً من تونس، وهنا أرادوا حرباً إرهابية علينا، ووفّروا لها الإمكانات التسليحية، واللوجستية ما اعتقدوا فيها أنها كفيلة بتدمير الدولة، وتفكيك المجتمع، وتغيير خارطة الشرق الأوسط من سورية لكون سورية هي المَعْبَرُ الأهم في هذه القضية، وبالمحصلة صحيح أن الحلف الدولي ومَنْ استخدمهم من القوى الإقليمية لم يستطيعوا أن يهزموا على أرض الميدان إرادة الصمود السورية، وتفاجؤوا بتحالفات الشعب الوطنية، وبمتانة الدولة الشعبية، وببنية الجيش العقائدية لكن الصحيح كذلك أن حقبة الحرب الخارجية لم تفرض زمن الاحتراب الداخلي، ولو أن الأعداء حاولوا تصوير المناطق التي وقعت تحت السيطرة الإرهابية أنها تعيش حالة وطنية أفضل بكثير مما كانت عليه حتى يغطّوا أهدافهم التدميرية. ومن غريب الأمر في الدولة السورية أنها بقيت تقدم الخدمات الأساسية للمواطنين الواقعين تحت السيطرة من ماء، وكهرباء، واتصالات ولم تُخلِ الدولة مسؤوليتها عن محاصيل هؤلاء، ولا عن أسباب عيشهم وهذا ما أذهل الإرهاب، وداعميه لأنهم حين أحكموا سيطرتهم على المناطق المحددة قد أخذوا يروّجون لفكرة انتهاء الزمان الذي كان للدولة الوطنية السورية، وعن بداية حقبتهم في الزمان الحاضر، والقادم حتى تتبدل معادلة وجودهم من طارئ راهن وعلى سجل الهزيمة الآتية قريباً إلى ثابت مقيم، وباقٍ متمدّد لتغدو الدولة هي الطارئ الغارب مع الزمان، وفي كل وقت يمرّ كانت الدولة عبر تلاحمها مع جيشها، وشعبها ترسخ معادلة الثابت الأصيل، وتفرض على الإرهاب أن يتحدّد في معادلة الطارئ المؤقت، والميدان هو الحكم في هذه المسألة، وقد أعطتنا سنوات الحرب الوطنية ضد الإرهاب الدولي المعطيات الداخلية الحاسمة بأن الوحدة الاجتماعية للناس هي العنصر الحاسم في النصر على حلف العدوان وسفك الدم السوري، كما أعطتنا أن شعبنا لا يمكن أن يتفكّك دينياً، ولا اجتماعياً، ولا عرقياً، وأن المنظومات السياسية ولو عملت على دعم المخطط الخارجي بوعي، أو بغير وعي لن تنجح في تفتيت الشعب في الثالوث المذكور.‏

وقد برزت واضحة الوطنية النقيّة التي تحرص على وحدة الشعب عبر الثالوث المعني، والوطنية المريضة التي انزاحت قيمها بفعل الميديا الإعلامية الدولية التي تمّ توظيفها بعنايات فائقة لتدمير العقل السوري، والعقد الاجتماعي الثقافي التاريخي، وبناء عليه فقد أخذت الحرب الإرهابية علينا تتراجع في الثقافة لأن الشعب استوعب خدمتها لإسرائيل فرفضها ورفض داعميها، كما أخذت تتراجع في السياسة لأن الأطراف الذين شنّوها علينا تفارقت غاياتهم، وانهارت توافقاتهم فصار الجانب السياسي للإرهابيين لا يخدم الوجود الميداني لهم فتوزّعوا بين مئات الأسماء والمسمّيات رغم أنهم ينتمون جميعاً لمسمّى واحد فقط هو الإرهاب. وفي الجانب النفسي انهارت معنوياتهم، وسقطت أحبولة الجهاد، واتضح أن سورية ليست أرض جهاد لتوطيد سلطة الله على الأرض بل سورية وطن صمود، ومقاومة لتحرير مقدسات الإسلام في فلسطين، والقدس، والأراضي العربية المحتلة، وحين نقول فَهِمَ الإرهابيون هذه المسألة مستندين إلى حقيقة اكتشفناها من سير العمليات الحربية ضد بلدنا حيث كان قرار التخطيط والتنفيذ بأيدي غير السوريين إذا تعلّق الأمر بالعرب، وبأيدي الأجانب إذا تعلق الأمر بالمشغّلين والدوليين. ومصداقية ما نذهب إليه أكدها شعبنا، وما زال منذ أن استقبلت جماهير مدينة القصير في العام 2013 جيشنا البطل وحلفاؤه إلى أن استقبلت درعا ومحافظة حوران جيشنا وحلفاؤه وسقطت على أقدام الشعب الواحد أضاليل العملاء والخونة والتكفيريين، وقد استمعنا إلى أقوال شعبنا في حوران لحظة خلاصة وتحريره من ربقة الإرهاب، وشاركناه احتفالاته بالعودة إلى وطنه التاريخي، والجغرافي، والثقافي، والقيمي، واليوم وجيشنا قد احتلّ تلّ الحارة، وتقدّم نحو القنيطرة ليحرر مسحرة، وما يليها تكتسب معاني النصر الوطني المؤزر معانيها الجديدة من القدرة والحكمة في إدارة حربنا الوطنية على الإرهاب ولا سيما لجهة تحالفاتنا التي أبقت خط المقاومة على النهج الوطني، والقومي، والإقليمي بما عطّل مشاريع الصهيونية وكيانها، وهزمها، وبما جعل التحالف الدولي علينا يتصدّع والتحالف الإقليمي ينهزم، فالنصر قد فرض مسائله الوطنية بالتطلع السوري-السوري لإنجاز الحل السياسي المبني على قواعد السيادة والاستقلال، وبالتطلع نحو التوحد الوطني ضد الوجود الأميركي والأطلسي على أرضنا لإنهائه، والتطلع نحو بناء سورية، وإعادة إعمارها بالتفاعل الوطني الذي جعل ترامب في لقائه مع الرئيس الروسي بوتين لا يجد ما يقوله أكثر من الاعتراف بضرورة العمل المشترك مع روسيا، وفي إطار القناعة بهزيمة الإرهاب لإخراج الحل السياسي الذي ترضى عنه جماهير الشعب الصامدة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية