تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


المحور من دمشق إلى طهران ...خيط الذهب يعقد في فلسطين ولا ينقطع

الثورة
دراسات
الخميس 12-7 -2018
عبد الحليم سعود

ليس وارداً في حسابات سورية الحاملة لقضايا أمتها في ظل اختلال ميزان القوى العالمي في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم، نتيجة الدعم الغربي المطلق والهائل

للكيان الصهيوني المحتل ـ صاحب النزعة العدوانية ـ وخروج أغلب الدول العربية من الصراع معه باتفاقيات إذعان واستسلام وتطبيع، لم يكن وارداً القبول بمبدأ التنازل عن الحقوق أو الخضوع والاستسلام لطموحات هذا الكيان وأطماعه التوسعية، فكان لا بد من مقاومته بكل الإمكانات المتاحة، والبحث عن أفضل السبل لردع عدوانه وكبح جموح حكامه الإرهابيين نحو التوسع والهيمنة وفرض الاملاءات والشروط، فبادرت سورية إلى دعم المقاومة الشعبية المسلحة في كل من لبنان وفلسطين وقدمت لهما كل ما يحتاجانه لمواجهة هذا العدو الغاصب المحتل، كما انضمت إيران الدولة الجارة بعد انتصار ثورتها الإسلامية إلى هذا الخط المقاوم انطلاقاً من شعورها بالأخطار الكبيرة التي ينطوي عليها هذا الكيان على مستقبل المنطقة وشعوبها وقضاياها.‏

وقد برهن الجيش العربي السوري في تلك الحقبة من الصراع أنه الحاضن والداعم الأول للمقاومة حين قاتل إلى جانبها في لبنان بكل بسالة وبطولة، وقدم أبناؤه أغلى التضحيات دفاعاً عن لبنان وعروبته في ظل المشاريع الفتنوية والتقسيمية والتوسعية، واستمر على هذا النهج المجدي والفعال حتى اندحر الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب لبنان في أيار من العام 2000.‏

المقاومة ثقافة ونهج‏

خلال هذه الفترة من الصراع التقليدي غير المتكافئ مع الكيان الصهيوني بسبب ترسانته العسكرية الهائلة من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، تعززت فكرة المقاومة في المنطقة كنهج وثقافة وأسلوب مناسب وناجع لمنع العدو من تحقيق أهدافه ولجم عدوانيته، وقد استطاع أبطال المقاومة في لبنان بدعم لا ينقطع من سورية وإيران تحقيق الانتصار تلو الآخر على العدو الإسرائيلي رغم تفوق آلته العسكرية، ليصبح محور المقاومة الذي يضم سورية وإيران وحزب الله بعد انتصار عام 2000 قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب مشكلاً أكبر الهواجس المهددة لإسرائيل وكيانها ومشروعها ومستقبلها باعتراف الإعلام الصهيوني ومراكز أبحاثه ودراساته، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأن حرب تموز عام 2006 كانت المحاولة الأميركية والإسرائيلية الأولى لكسر هذا المحور وتفتيته لكنها باءت بالفشل والخذلان، ولعل الجميع يتذكر وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندا ليزا رايس حين أكدت في تلك الفترة أن شرق أوسط جديد يولد من رحم حرب تموز، في إشارة واضحة إلى أن محور المقاومة يشكل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة الأميركية في منطقة كانت تريد إعادة تشكيلها ورسم خرائطها مجدداً بعد غزو العراق كما ورد في خطة جو بايدن لتقسيم العراق، ولكن إفشال محور المقاومة للمحاولة الصهيو أميركية في حرب تموز هو من دفع بمحور العدوان لإشعال نيران الحرب على سورية عام 2011 بالاعتماد على مرتزقة وإرهابيين قادمين من أربع جهات الأرض وعملاء داخليين من أجل إخراج سورية من هذا المحور، وهذا ما تنبهت إليه مبكراً القيادات السياسية في كل من سورية وإيران وحزب الله وواجهته بكل شجاعة وحنكة وعزمت على إفشال هذه الحرب وكان لها ما أرادت.‏

القوة الأبرز في المنطقة‏

خلال حرب تموز التي تمر ذكراها المجيدة هذه الأيام أثبت محور المقاومة أنه قادر على المواجهة والتحدي وإحراز الانتصارات وإرباك مشاريع أعدائه، بحيث تم ترحيل مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به رايس إلى دهاليز النسيان ولم يعد أحد يتذكره، وباتت إسرائيل حسب تقرير فينوغراد أمام خطر وجودي بسبب عجزها عن حماية جبهتها الداخلية وتحقيق أي نصر عسكري في مواجهة محور المقاومة في المنطقة، ليتحول هذا المحور بعد حرب تموز والصمود الأسطوري لسورية في مواجهة الارهاب والانجازات العسكرية التي تحققت في السنوات الماضية القوة الأبرز على مستوى المنطقة بحيث لا يستطيع أحد تجاهله أو تهميشه، وهذا ما تأكد بانفتاح روسيا ـ القطب العالمي الجديد على الساحة الدولية ـ عليه وإقامة أفضل العلاقات معه في إطار الحرب على الارهاب.‏

قدرات إضافية‏

كان من بين أهداف غزو العراق هو إقامة حاجز جغرافي بين إيران وشركائها في خط المقاومة في سورية ولبنان، ولكن المقاومة العراقية التي لاقت دعما سياسيا من محور المقاومة استطاعت دفع الأميركيين للانسحاب، وبعد انسحابهم ابتلي العراق بتنظيم داعش الإرهابي الذي كان يراد لها أميركيا ملء الفراغ وضرب وحدة كل من سورية والعراق وشرذمتهما، ولذلك كان لا بد من صعود تيار مقاومة جديد في العراق للقضاء على هذا المشروع التكفيري الذي أنتجه الاحتلال كتعويض عن فشله، فتشكل الحشد الشعبي العراقي كقوة مقاومة جديدة عوضت النقص الحاصل في قدرات الجيش العراقي، لتتمكن خلال وقت قصير من هزيمة داعش والحفاظ على وحدة العراق، ونظراً لوحدة وتطابق الأهداف والتطلعات بين الحشد الشعبي العراقي وقوى المقاومة في المنطقة فقد كان طبيعياً أن نجد الحشد الشعبي يصطف إلى جانب محور المقاومة الأمر الذي أكسبه قدرات إضافية زادت من قوته وحضوره على مستوى الإقليم، وهذا ما اعتبر فشلاً جديداً لواشنطن وحلفائها ممن راحوا يتهمون الحشد بالإرهاب كما يفعلون مع حركات المقاومة عموماً.‏

الرصيد السياسي والعسكري‏

يمكن القول أن القوة التي يتمتع بها محور المقاومة اليوم لم تأت من فراغ، بل ترتكز إلى حاضنة شعبية كبيرة تقدر بنحو مئة وخمسين مليون إنسان في كل من إيران والعراق وسورية ولبنان وفلسطين، وقدرات عسكرية أثبتت فعاليتها خلال حرب تموز عام 2006 بتدمير دبابة الميركافا والبوارج الحربية الإسرائيلية في عرض البحر، وخلال الحرب على سورية تمكنت وسائط الدفاع الجوي السورية من إسقاط صواريخ وطائرات العدوان الإسرائيلي والأميركي أكثر من مرة، ما رسم معادلات جديدة لها علاقة بالصراع القائم في المنطقة، بحيث باتت إمكانية قيام إسرائيل بحرب عدوانية جديدة تخضع لاعتبارات وحسابات مختلفة تضطرها لضرب أخماسها بأسداسها قبل أن تقدم على أي مغامرة من هذا النوع بالنظر للإمكانات التي بات يمتلكها محور المقاومة والخبرات التي راكمها شركاء المقاومة خلال الحرب على الارهاب، وهذا ما أعطى المستوى السياسي في محور المقاومة قدرة أكبر على رفض الاملاءات الخارجية من أي جهة كانت، حيث ظل كل جزء من هذا المحور متمسك بحقوقه وواجباته تجاه مختلف القضايا ولا أدل على ذلك مثلاً من رفض إيران أي تعديل في الاتفاق النووي الموقع مع السداسية الدولية بعد انسحاب واشنطن منه، وتمسك سورية بسيادتها الكاملة على أراضيها رغم كل ما جرى عليها من ظروف صعبة في السنوات السبع الماضية.‏

يمكن القول باختصار: لقد بات محور المقاومة في ظل التطورات الجارية في المنطقة أشد قوة من ذي قبل، بفضل الانجازات التي حققها وقوة الحق والشرعية التي يمتلكها والقاعدة الشعبية الواسعة التي تحتضن ثقافته، وهذا ما يعزز وجوده ويرسخه أكثر لمواجهة مختلف التحديات، وخاصة مع سرعة تحول العالم إلى زمن تعدد الأقطاب وفشل الولايات المتحدة في قيادة العالم وتطويعه حسب مصالحها وأطماعها.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية