تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الأزمة المـهـنـيـة والأخلاقـيـة في الـغرب المـتـصـهين

دراسات
الأربعاء 7-3-2018
بقلم د: فايز عز الدين

ربما لم يشهد تاريخ الإنسانية في مؤسسات العمل الدولي أزمةً مهنيةً، وأخلاقيةً- كما قال الدكتور الجعفري في مجلسة الأمن الدولي- مثلما يشهده عصرنا اليوم عبر سياسات دولية تعبر عن خلل المنظومة الأخلاقية لقادة الغرب الليبرالي الذي

لم يعد يرى الحقيقة على أرض أية أمة إلا إذا كانت تخدم مصالحه، وتصبُّ في بيت ماله، ولو جاعت شعوب الأرض، وفقدت الكثير من مصادر حياتها التي لها حق فيها منصوص عليه في القانون الدولي، وشرعة حقوق الإنسان. نعم ندخل حقبةً من الزمان تدهش كلَّ صاحب ضمير في المجتمع الدولي؛ إذ كيف تدّعي أميركا أنها ما زالت مؤهلة لقيادة النظام الدولي وهي لا تحترم مادة واحدة من ميثاق الأمم المتحدة؟ وكيف لها أن تتحدث عن الإنسانية، والبعد الإنساني وهي تقيم في كل يوم مجزرة إن كان الحال على أرض بلادنا سورية، أو العراق، أو اليمن، أو أفغانستان؟ ثم من هم المدنيون الذين تغار على حمايتهم، وتُصاب بالهستيريا كلما تقدم الجيش السوري وحلفاؤه لتحرير المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون؟ إن ما تفعله أميركا في دير الزور تدعي أنها لم تقتل به المدنيين، وقنابل طيرانها مدرّبة على الفرز بين مدني مواطن، وإرهابي تكفيري؛ ولذلك فالجيش السوري وحلفاؤه لا يجيدون مثل هذا الفرز لأن معركتهم هي مع المدنيين الآمنين وليس مع الإرهابيين المرتزقة. إن مثل هذا العهر في مقاربة الحقائق الماثلة على الأرض، يقدمّ الدليل اليومي على أن قادة الغرب المتصهين لم يعد لديهم أية قدرة على التعاطي مع الحقائق الماثلة على الأرض، ولا هم يريدون التعاطي معها بأخلاقية مَنْ يبني الإنسان على هذا الكوكب بمقدار ما يتعاطون مع أهدافهم في السيطرة على نموّه، ومدّ سلطتهم على حقّه في السيادة، والاستقلال، ولو أدى الحال إلى دماره، وموته، وتدمير دولته.‏

والمثال الحاضر دامغ الحجة في ما يتعلق بشعبنا العربي الفلسطيني حيث سينقل ترامب سفارته إلى القدس معترفاً بأنها ستكون عاصمة الكيان الصهيوني إلى الأبد دونما أي إحساس بحق الفلسطينيين، ومصيرهم، وأحلامهم الوطنية، وقد قرّر ترامب استدعاء حكام السعودية والخليج ليمثلوا أمامه خلال الشهرين القادمين حتى يتم تدريبهم على كيفية تأمين مستلزمات نقل السفارة، وإطفاء جذوة أي انتفاضة لشعبنا الفلسطيني كي تسير الأمور مثلما تمّ التخطيط له. وقد اختير يوم 14/أيار القادم ليكون نقل السفارة بيومٍ له حساباته وهو العام السبعون للنكبة، ويوم 14 أيار يوم الإعلان عن قيام كيان العدوان الغاصب.‏

كل هذا تقوم به أميركا دونما أي حساب لحقوق العرب، أو لمقدساتهم، ولا لضغط شعوبهم على القادة الذين استخذوا ولم يعد يحرّكهم ضمير عربي، أو قدسيّة كانوا يدافعون عنها في يوم كانت العروبة تحرّك المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج.‏

وما يشير إليه اليوم مفكرو الغرب الذين ما زال لديهم بقية من أخلاق ومن بينهم جون غلاسر مدير دراسات السياسة الخارجية لأميركا في معهد (كاتو) حيث قال: « إن تشجيع واشنطن وحلفائها لحركة التمرّد في سورية عزّز من عدم الاستقرار، ويتوجب على إدارة ترامب أن تدرك أن انسحابها من سورية قد يكون أفضل خيار يصب في مصلحة أميركا وسورية «. وبناءً عليه إذا كانت الأزمة المهنية، والأخلاقية تطبع سلوك الغرب المتصهين فمن أين ستأتي المصداقية للقلق على البعد الإنساني في الغوطة الشرقية؟ هل هو قلق، أم هو تحرك عاجل لإنقاذ مرتزقة أميركا، وأوروبا، وآل سعود من خطورة تقدم جيشنا وحلفائه لتحرير الغوطة وإلقاء القبض على الجواسيس الأميركية والأوروبية الذين يديرون غرف عمليات الإرهابيين؟ لم يعد خافياً على أحد في المجتمع الدولي الذي ما زالت تحرّكه أخلاقية الحقيقة بأن صورة السياسة في مناهج قادة أوروبا، وأميركا ليست منطلقة من المصالح العليا لبلادهم، ولا من المصالح العليا لأمم الأرض، بل جلّ عناية هؤلاء ينصبُّ على خدمة الصهيونية، ومشروعها الاستيطاني الإحلالي العنصري.‏

وما نَقْلُ السفارة الأميركية إلى القدس بهذه السرعة إلا محاولة مكشوفة للاستثمار في وضع سورية وجبهة المقاومة المشغولة معها في الحرب على الإرهاب. والاستثمار في خذلان النظام العربي الرسمي وغياب القرار العربي المقاوم من دول الجامعة، والاستثمار في استخدام الممالك والمشيخات لتوفير ظروف التصفية الكاملة للقضية الفلسطينية قبل أن تعود سورية لتصحيح الميزان السياسي في المجموعة العربية، فتلغي هيمنة الممالك والمشيخات على مؤسسات العمل العربي المشترك وتعود العروبة إلى موقعها الطبيعي في الضمير العربي الذي عليه أن يعزل دوماً مفاعيل الأعراب أدوات الصهيونية القابضة على عنق قادة السياسة في أوروبا، وأميركا وتسبب لهم هذا الحال في الأزمة المهنية والأخلاقية.‏

إن القرار 2401 رُصدت له أقصى الجهود لمن توهّم أنه سوف يمنح الإرهابيين فرصة لإعادة بناء جبهاتهم المحيطة في دمشق، وفي بقية المدن السورية، وعودة الهجوم على الدولة ومؤسساتها، والجيش ومراكزه، والمواطنين وحياتهم. ولذلك تمّ الحرص على استثناء الإرهابيين من النصرة و داعش، والقاعدة ومن يحالفهم من القرار المعني ومهما حاولت أميركا, وأوروبا، والأعراب الداعمين لهم فإن هذا لن يثني الجيش العربي السوري وحلفائه عن مهمّتهم، ومهما كان الحال عليه في الغوطة الشرقية لن يكون بأصعب مما أنجزه جيشنا في حلب، ودير الزور، وشمال حماة، وتدمر ومع كل نصرٍ تزداد اللحمة الوطنية لشعبنا متانةً، وينكشف الإرهاب وداعموه بأنهم أساس محنة المجتمع الدولي وليس ثمة من نصير لهم بَعْدُ.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية