تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


رأي.. جنايــات الأزرق.. ثقافـة ألقـاب تســاوي الدخيــل بالأصيــــل

ثقافة
الأربعاء 7-3-2018
ديب علي حسن

لا احد يدري متى كان اللقب الأول الذي استخدمه الإنسان، من باب أنه كائن استعاري لم يترك شيئا إلا وأخذ منه وجعله لقبا أو صفة أو من هذا القبيل، لاسيما في عالم الكلمة والإبداع،

وكان هذا عبر الخيال واللغة، وحين نطالع تاريخ ومحطات كبرى نجد أن اليوم ليس مختلفا كثيرا عن الأمس فلكل زمان محنته و له ألقابه الصحيحة والدخيلة، هذا شاعر حق وذاك شويعر على حد ما ينسب للمتنبي، وذاك فارس، وآخر دعي عابر مع أول غبار لمعركة يفر هاربا، وقس على ذاك، بين الأصيل والدخيل ثمة مسافات كبيرة، ولكن الكل يطمح أن يكون على حال مختلف نوعا ما....‏

وربما يعود سبب هذه الجنايات التي يعاقرها الإنسان إلى أن الالقاب تعني المزيد من التميز والتفرد ومن باب أن الطموح حق للجميع يمكن القول: ما اروع أن تكون ألقابنا حقيقية وصحيحة، ولكن مالنا نذهب بعيدا في الحديث عن الالقاب التي على ما يبدو أنها صارت تباع وتشرى منذ عهود قديمة..‏

ألقاب باعها الباب العالي (المحتل العثماني) وملأت اللغة والحياة الاجتماعية فوجدنا (الآغا والبيك و......).‏

وكما اسلفنا الظاهرة ليست جديدة بكل ما فيها من أصيل وتزوير، فمنذ امرىء القيس وربما قبله عشق المبدعون مثل هذا الأمر (الملك الضليل, النابغة الذبياني والخنساء, الأعشى, الارقش... الأخطل... الجاحظ...المتنبي... كشاجم..... ).‏

واليوم طفت على السطح ظاهرة الالقاب العلمية قبل غيرها، فمن الاستذة التي كانت ذات يوم إلى إغراء وسحر حرف الدال الذي على ما يبدو أنه المفتاح عند بعض الجهات لتولي موقع ما، فربما مر زمن لم تجد فيه إلا ألقاب (الدكترة التي تعين بسحر الدال في مواقع كثيرة، وربما ذهب الكثيرون إلى الظن أنها أصغر الشهادات التي يحملها السوريون......).‏

في هذا العالم الأزرق المغري والقاتل والعالم الذي قرب البعيد، وأبعد القريب، وطوفان مما يمكن قبوله، أو رفضه، عالم الفضاء الازرق وتطبيقاته التي دخلت كل بيت، وغدا الكثيرون منا غرباء حتى عن انفسهم، إغراء أن تكون إعلاميا،وكاتبا ومفكرا، ومثقفا، متواصلا من جهاز صغير وترى العالم ويراك وبغض النظر عن الحالة التي تراه ويراك فيها، أهي زيف أم حقيقة......‏

إغواء أن تنشىء عالما خاصا بك تدور في فلكه ويدور كثيرون معك، الظاهرة التي لايمكن السكوت عليها، ويجب أن يقرع جرس الإنذار عاليا وبقوة، هي تساوي الدخيل بالأصيل وربما هنا علينا أن ننبه إلى ان حسب ما ينشر ليست موجودة هذه الظاهرة إلا في عالمنا العربي، ألقاب مجانية تمنح من وراء طاولة ومن جهاز صغير بيد مراهق أو متصاب العدة: بطاقات مصممة على شكل شهادات وأوسمة تمنح لهذا وذاك، والقاعدة الاساس التي تبنى عليها الظاهرة الجديدة المنتشرة انتشار النار بالهشيم، منتديات وملتقيات فيسبوكية، ومسابقات خلبية وهيئات ومنظمات أيضا لاأحد سمع بها إلا من يديرها في هذا العالم الافتراضي (جامعة، أكاديمية)....شاب يعترف أنه لم يصل المرحلة الاعدادية يؤسس ما يسمى أكاديمية، ويمنح القابا، فارس, شاعر, ناقد، سفير......‏

استشراء الظاهرة‏

الظاهرة التي لم تجد من يقف بوجهها استطالت وكبرت حتى غدت عبئا وكارثة تهدد بنتائج نلمس بعضها الآن، فهل يعقل أن نقرأ تطاولا على الكثير من صلاحيات الدولة ومؤسساتها من قبل باعة القاب، هم في الحد الأدنى لايعرفون منها إلا اسمها، موقع، صفحة، ملتقى، لاأدري ماذا اسميه يمنح أوسمة ويقول: إنها من الدرجة الممتازة، اي جرأة هذه وكيف اتيح له أن يفعل ذلك دون مساءلة....‏

تابع الصفحات الزرقاء فستجد كل يوم اكثر من مئة شهادة دكتوراه (زعبرية) زينت الصفحات، ناهيك عن براءات التقدير والثناء لهذه الشاعرة وتلك الروائية، وتدبيج عبارات الشكر من الأصدقاء الذكور، واللافت ايضا أن شعراء لهم حضور فاعل يقعون في هذا الفخ، وهذا ما يدعونا لطرح السؤال التالي: من المسؤول عن هذا الهيجان،وما اسبابه..؟‏

لن ندعي القدرة على الإجابة، لكن لابد من دراسات نفسية واجتماعية علمية بخلفية سياسية وأمنية لمثل هذه الظاهرة من الماء إلى الماء وغايتها الكبرى تسخيف العلم والمعرفة والنأي بكل ما هو أصيل عن الواجهة، وهنا على وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب أن يكون لهما موقف واضح وصريح، ولابد من العمل على إصدار تشريعات تعالج هذه الظاهرة وبعقوبات رادعة، هل من الصعوبة بمكان أن يصدر اتحاد الكتاب تعميما يمنع اعضاءه من الوقوع بهذا الفخ، ووزارة الثقافة التي تقترح منح الاوسمة ان تفعل الشيء نفسه........‏

للوهلة الاولى يظن المرء انه في هذا العالم الأزرق الكل يحمل شهادات عليا والكل حاز الأوسمة والكل يمنح الكل, الجاهل للعالم، والجبان للشجاع، ومن يعرف أو لايعرف، بل ربما نتساءل: ما لهذا الخراب الفكري والثقافي وكلنا حملة دكتوراه وأوسمة.....من اين اتانا.....أحقا يصح القول: لقد تساوى الاصيل بالدخيل مع الفيسبوك، وكما قال من صنع المسدس: الآن تساوى الفارس بالجبان.....إنها محنة الالقاب وثقافة الوهم وصناعة التزوير واعتداء على مؤسسات الدولة....فمن يضبطها...؟‏

d.hasan09@gmail.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية