تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ما بعد الحرب

إضاءات
الأحد 1-7-2018
د. ثائر زين الدين

ها وقد بدأتِ الحربُ تضَعُ أوزارها، وستعودُ سوريّة إلى مكانتها دولةً إقليميّة يحسبُ لها الجميعُ أصدقاءَ وأعداءَ ألفَ حساب، فإنَّ من الأولويّات التي يجب أن نعملَ عليها -من وجهة نظري- لحظةَ اشتغالِنا على إعادةِ إعمارِ الحجرِ والبشر،

هي التركيز على رفعِ مستوى التعليم - التعليم الذي صَمدت مؤسساتُهُ - والعمل على زيادةِ الإنفاقِ عليه في مراحلِهِ المختلفة وتخصيص موازنات مستقلّة ضخمة له؛ تأخذ بعين الاعتبار أن نجعله تعليماً يقومُ على إنتاجِ المعرفة لا مجرّدَ تذكِّرها، وتلقينها للتلاميذ والطلبة، ويأخذ بعين الاعتبار مسألةَ البحث العلمي، التي يبدو أنها لا تعني العربَ كثيراً... وصولاً إلى الحدِّ من هجرةِ الأدمغة، التي عانى منها الوطن العربي كلّه في مرحلةِ ما سَمَّوه «الربيع العربي».‏

إنّ الدولَ المتطوّرة ترصدُ للبحث العلمي أيّها الأعزاء موازناتٍ من الصعب تصوّرها؛ فالولايات المتحدة الأمريكيّة تنفقُ ما لا يقل عن 35% من مجمل الإنفاق العالمي على البحوث العلميّة، بينما لا ينفق العربُ مجتمعين أكثرَ من 0،01% من مجمل الدخل القومي في الوطن العربي، ويُنفقُ الكيانُ الإسرائيلي بحدود 4،7% من موازنتِهِ على البحث العلمي.‏

تقولُ بعضُ الإحصائيات - وهي بالمناسبة إحصائيات ما قبل «الربيع العربي» إن مجموع ما ننفقُهُ نحن العرب على البحث العلمي لا يتجاوز 535 مليون دولار في العام، في حين أنفقَ كيان العدو وحده عام 2008 ما لايقل عن 9 مليارات دولار.‏

إن قراءات كثير من هذهِ الأرقام أيّها الأعزاء تبعثُ على الإحباط، والخوف على مستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة؛ فما معنى ألّا تزيد نسبةُ الباحثين والعلماء في وطننا الكبير عن 318 باحثاً وعالماً لكل مليون نسمة من السكان، وهي في الكثير من الدول المتقدِّمة لا تقلُ عن 5000 باحث وعالم لكل مليون نسمة.‏

صَرّح أحد العلماء العرب القلائل قبل «الربيع العربي» أن نسبة الأوراق العلميّة المُقدَّمة في جامعاتنا العربيّة لا تتعدّى 0،0003 من نسبةِ تلكَ الأوراق البحثيّة في الجامعات ومراكز البحوث العلميّة العالميّة.‏

وحين أعودُ للحديث عن مسألةِ هجرة الأدمغة فإن الصورة بالتأكيد مظلمة تماماً ما قبل «الربيع»، فكيف هي خلاله وبعده...؟!‏

إن نسبة 31% من الكفاءات العلميّة التي تهاجرُ من بلادها إلى البلدان المتقدّمَة، هي من أبناء الوطن العربي ومن هؤلاء 32% مهندسون و50% أطباء، أمّا اتجاهات هذهِ الهجرة فهي على الأغلب إلى أمريكا وإلى أوروبا 15%، كما تقولُ الأرقامُ أيضاً أن ما لا يقل عن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودونَ إلى دولهم التي أوفدتهم أو سافروا منها عموماً.‏

إنّ هذهِ الأرقام التي ترسُمُ صورةً مظلمة لواقع التعليم والبحث العلمي في الوطن العربي لا تنفصلُ بأي شكلٍ من الأشكال عن غيابِ الاستقرار السياسي في الوطن كلّه، وغياب مختلف أشكال العدالة، وقد كان «للربيع العربي» اليد الطولى في دفع هذهِ الأمور إلى أسوأ حالاتها.‏

ولكل هذا، فإن علينا أن نَضَعَ نصب أعيننا مسألة النهوض بمؤسساتنا التعليميّة في مراحلها كلها.. وبمسألة البحث العلمي، التي هي أُسُّ تطورنا في الحقول جميعها.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية