تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر

Attr

الخميس 18 / 11/2004م
أنيسة عبود
ذهب العيد.

لم أره حين دخل المدينة, ولم أره حين غادرها.. لذلك لم أذهب لزيارة أمي ولم أصنع لها حلوى العيد, لا أظن أن العيد يزور الذين لا أمهات لهم.‏

يقال: العيد يخاف من الرصاص. ويقال: إن العيد لا يزور البلدان المزروعة بالقتل.. لا يحب العيد أن يتعثر بالأرواح المقهورة لذلك لم يأت إلى الشرق العربي, ما جعل العطلة تمر رتيبة, خانقة وجعل المدينة مغبرة تركض فيها أكياس النايلون السوداء وتزعق على شواطئها سيارات الشبح التي راحت تطارد الفراغ بحثا عن العيد.‏

***‏

على الرغم من أن العيد لم يزر حارتنا.. إلا أن أم علي صنعت أقراص الحلوى.. قالت: إذا لم يأت العيد إلينا نحن نذهب إليه.. نشده من يده ونأتي به.. نهدده إذا رفض, نعطيه الحلوى كلها.. المهم أن يأتي.. في اليوم التالي غيرت أم علي رأيها فزعة.. لقد علمت أن هذا السلوك مناف للحرية والديمقراطية التي تنادي بها أميركا وتطالب بها بلدان النفط العربي تحديدا.‏

أم علي رمت أقراصها في الحديقة المجاورة إلا أن أحدا من الأطفال لم يقترب منها, حزنت أم علي وقالت: هذا الزمان ليس لنا.‏

***‏

أنا قلت: إنني لم أر العيد.. لكن إذا كان العيد بالأراكيل فالمقاهي مكتظة بالأراكيل ورائحة الدخان المعطر تنساب من الشرفات والزوايا, لدرجة أنك تعتقد أن المدينة كلها عبارة عن مقهى كبير يدخن فيه العاطلون عن الأعياد والأفراح والآمال خيباتهم وبطالتهم.. كلهم صبيان نارة.. كلهم يصطفون وراء جمرهم عله يحرق رزنامة زمن فرض عليهم أو هم فرضوه على أنفسهم.‏

أما العيد.. فأنا لم أره, ولم أسع إليه, خاصة أن أمي رحلت منذ سنوات والذين يرحلون يأخذون أعيادهم وأعيادنا معهم.‏

***‏

أم علي تقول: إن العيد جاء إلى المدينة. لم يزر بيتها لأنها لا تملك حديقة ولا باباً مرصعا بالنحاس الأصفر الثقيل.. وتؤكد أن العيد زار جارهم أمجد بك حيث اصطفت سياراته فملأت الأرصفة وسدت الطريق, ووقف حراسه وصناعه وبلطجيته يعبون الأراكيل والمتة في الهواء الطلق, ويطلقون عيارات وهمية تلون الصمت المطبق على الحارة.‏

أم علي قالت: أنا أخاف من سيارات أمجد بك الملونة, الفاقعة. لأنها تشعرني بضآلة الكفاح والنضال في الحياة. وقالت أنها أفنت عمرها في الكفاح مع زوجها وأولادها وأولاد أولادها ولم تملك بيتا حتى الآن. بينما أمجد -بضربة حظ- صار من رجال المال والأعمال.. وصار له صداقات عربية ودولية.. كادت أم علي أن تقول له: أبعد حراسك عن نوافذ الجارات.. أبعد سياراتك لتعبر الأقدام المتعبة.. وكادت تعترف بأنها تهاب هذا الكم الهائل من الثروة الملقى في الشارع وتحزن عندما ترى رتل السيارات الذي يذكرها بضعفها, ويوقظها على هروب العدالة من يدي أبنائها لكنها تؤكد أن الخوف شيء واحترام أمجد بك شيء آخر فهي تهابه فعلا إلا أنها لا تحترمه لذلك هي لم تعيدّه وهو لم يفتقد معايدتها.‏

 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 17365
القراءات: 17362
القراءات: 17356
القراءات: 17359
القراءات: 17360
القراءات: 17361
القراءات: 17359
القراءات: 17360
القراءات: 17359
القراءات: 17357
القراءات: 17359
القراءات: 17358
القراءات: 17356
القراءات: 17357
القراءات: 17354
القراءات: 17356
القراءات: 17358
القراءات: 17355
القراءات: 17354
القراءات: 17363
القراءات: 17354
القراءات: 17362
القراءات: 17359
القراءات: 17466
القراءات: 17357
القراءات: 17355
القراءات: 17356
القراءات: 17359

 

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية