تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر

Attr

الخميس 7 /10/2004
محمد خير الجمالي
لابد من الاعترف سلفاً أن ما بين حرب تشرين التحريرية والوضع العربي الراهن, حالتين كل منهما على النقيض الجذري من الأخرى; حالة القوة العربية في أبهى صورها, وقد نشأت من تضامن العرب واجتماعهم على هدف التحرير وتصميمهم

على الثأر لكرامتهم المهدورة نتيجة لنكسة حزيران, وحالة الضعف الراهن بتجلياته الأليمة القائمة في احتلال العراق وتمادي إسرائىل في تهديد العرب وممارسة حرب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني وظهور مشاريع التدجين والهيمنة الأميركية على المنطقة بأبعادها الخطيرة التي تستهدف إلغاء العرب من على الخارطة السياسية للمنطقة, عبر إلغاء هويتهم وثقافتهم وسلخهم عن تاريخهم تحت عناوين شرق أوسط صغير أو كبير, وإعادة هيكلة نظامه الإقليمي انسجاماً مع المصالح الحيوية لأميركا وإسرائيل.‏

لماذا كانت هذه المفارقة الغريبة العجيبة المذهلة في الواقع العربي بين الأمس واليوم..? هل لعلة في الحرب نفسها وإنجازاتها الباهرة على مستوى تصويب مسار الصراع وتغيير موازين القوى في معادلاته لمصلحة العرب, أم لغياب العوامل المهيئة للحرب وشروط خوضها وتوفير الظروف الكفيلة باتخاذ قرارها الصعب في حينه..?‏

إنجازات الحرب وشروط تحقيقها, وليست الحرب, هي السبب في هذا التغير العاصف بين وضعين عربيين كل منهما يناقض الآخر إلى حد الاعتقاد بأن عرب تشرين هم غير عرب الراهن.‏

يوم خاض العرب معركة الحرب, خاضوها على أرضية صلبة من التضامن القومي الفاعل, فجاءت بانتصارات غيّرت نظرة العالم لهم وغيّرت في مواقفه من الصراع بقدر ماغيّرت في طبيعة قدرتهم على مواجهة التحديات.‏

وعند هذا التحول الكبير, اكتشف التحالف الأميركي- الإسرائىلي أن السر فيما حدث يكمن في القوة العربية المستعادة,ومكمنها حصراً في الوحدة التي تحققت للعرب عبر تضامنهم السياسي والاقتصادي والعسكري, وكان السؤال الكبير لأعداء الأمة: ماذا لو استمرت القوة العربية الناشئة في تفاعلها على أرضية عوامل ظهورها, وما الذي يبقى من مصالح استعمارية ودور وظيفي لإسرائيل في ظل نموها وتطورها..? ليكون القرار من بعده: لا بد من ضرب هذه القوة بنسف عوامل ظهورها, وهكذا بدأ مخطط التفتيت من الترتيب لكامب ديفيد أولاً, وتوفير الغطاء له في تفجير أوضاع لبنان ومن ثم زرع بذور الخلاف العربي- العربي- فقد كان القرار المعادي يقضي بأن تكون حرب تشرين, حرب العرب الوحيدة وآخر الحروب في المنطقة, إلا الحروب التي تقررها إسرائىل.‏

وعلى مدار ثلاثين عاماً ونيف كان مخطط التفتيت يمضي في خطين متوازيين; تفتيت على المستوى الوطني لضرب الجبهات الداخلية المبنية على أسس سليمة, وآخر على المستوى القومي عملاً باستراتيجية شارون ومن قبلها نظرية شاريت وبن غوريون, اللتان ترسمان مستقبلاً أشد تجزئة من سايكس بيكو للعرب.‏

وحين بدت استحالة إنجاز أهداف هذا المخطط أمام تصميم سورية والقوى الشريفة في الوطن العربي على مواجهته وإحباطه, وظهر هذا جلياً في إنقاذ لبنان ودحر الاحتلال الإسرائيلي لجنوبه, واندلاع الانتفاضة الاولى,كانت الحلقة الأخطر فيه هي استبدال سياسة الحروب بالوكالة, بسياسة الحرب بالأصالة, عبر دخول أميركا مباشرة هذه المرة على خط تطورات المنطقة, تعويضاً عن اضمحلال الدور الإسرائيلي فيها بعد أن انهكته مقاومة الشعب الفلسطيني واللبناني.‏

وفي إطار هذه الحلقة, يندرج احتلال العراق لئلا يكون عوناً للعرب في مواجهة المشروع الصهيوني, كما تندرج مشاريع التغيير الجذرية المطروحة للمنطقة, ورسالة الضمانات الأميركية لشارون بالحل على أسس الأمر الواقع, وسياسة الاستفراد التي تمارسها أميركا ضد العرب دولة بدولة (سورية فلبنان فالسودان فالسعودية..الخ).‏

فالمطلوب هو ضرب التضامن العربي, وجعل مجرد التفكير به خطاً أحمر بعدما اتضح أنه العامل الحاسم في تغيير صورة العرب وواقعهم, وفي تأزيم المشروع الصهيوني ودوره التجزيئي, وفي إجبار الآخرين على اتخاذ مواقف عادلة حيال قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي.‏

العرب الآن في وضع لايحسدون عليه,فالعراق محتل, وإسرائيل تتمادى في غيها, والتهديد يطال الجميع, والسبب دوماً في غياب التضامن المبني على استشعار الخطر ومواجهته بموقف موحد, فهل يدرك العرب أن الخروج من مفارقة الوضع العربي ومأزقه يكون فقط في رصّ صفوفهم والتقائهم على حقيقة أن الخلاص الممكن من خطورة ما يتعرضون له, هو خلاص جماعي لا فردي..?‏

 

 محمد خير الجمالي
محمد خير الجمالي

القراءات: 18041
القراءات: 18052
القراءات: 18045
القراءات: 18049
القراءات: 18052
القراءات: 18048
القراءات: 18047
القراءات: 18049
القراءات: 18050
القراءات: 18050
القراءات: 18051
القراءات: 18044
القراءات: 18047
القراءات: 18048
القراءات: 18043
القراءات: 18046
القراءات: 18049
القراءات: 18046
القراءات: 18049
القراءات: 18047
القراءات: 18053
القراءات: 18046
القراءات: 18050
القراءات: 18043
القراءات: 18044
القراءات: 18045
القراءات: 18038
القراءات: 18036
القراءات: 18043
القراءات: 18043
القراءات: 18044
القراءات: 18039
القراءات: 18043
القراءات: 18048
القراءات: 18045
القراءات: 18036
القراءات: 18035
القراءات: 18043
القراءات: 18042
القراءات: 18045
القراءات: 18047
القراءات: 18046
القراءات: 18047
القراءات: 18047
القراءات: 18045
القراءات: 18042
القراءات: 18038
القراءات: 18044

 

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية