تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر

Attr

الخميس2/ 12/2004م
أنيسة عبود
أتعرف?بي رغبة لأن أحدثك عن العاصفة.

لا أقصد عاصفة الشوق التي تستبد بقلبي دون استئذان, وتجبرني على الاحتفاظ بفنجان قهوتك أياما أو لملمة بقايا كلامك عن العتبات.‏‏

ولا أقصد عاصفة الحرية الأميركية التي تنهمر على رؤوس الشعب العربي من الخليج إلى المحيط بحيث أتيح لنا أن نأكل الهمبرغر ونرقص في الشوارع النظيفة جدا جدا.. كما أنني لا أقصد عاصفة البطالة التي تحيق بآلاف مؤلفة من الشبان الذين هم بعمر العشرين إلى الثلاثين.. أي أوج العطاء والطموحات التي قد تحطم المرء أو ترفعه إلى مراتب أعلى في الحياة.‏‏

أتعرف? أنا أقصد العاصفة التي ألمت بساحل مدينة جبلة. ففاضت الأنهار.. وفاضت السماء.. انكسرت الجسور وانجرفت التربة والمحاصيل والبيوت, وطفا الدجاج والسياج وأشجار التين والزيتون والبرتقال.. حتى إن شجرة الحور المجاورة لجسر القرية قررت مجاراة الطوفان والسير معه لأنها لا تقدر أن تواجهه فهي على مبدأ (الذي لا يجيء معك اذهب معه).‏‏

أنت لا تجيء معي.. وأنا لا أقدر أن أذهب إليك. فقط أستطيع أن أكتب إليك عن الطوفان على ضوء شمعة إذ انقطعت الكهرباء والماء وتكور الناس في بيوتهم خوفا من رياح عاتية تحمل كل شيء وتهرب به إلا الذاكرة والشوق والذكريات..‏‏

وحدك كنت حاضرا معي. ربما لأحتمي بك من العاصفة.. وربما لتكون بياضا أسكب عليه ذكريات طفولتي القروية, حيث كانت تهب العاصفة المطرية وتخبط حبة المطر على بابنا الخشبي العتيق كما الحصى. تنوس قناديل الكاز وينهمر الرعد فأطمر رأسي في حضن أمي التي تمسد شعري وتقول: لا تخافي من الرعد إنه نشيد البرق الذي يطيل شعر الصبايا.‏‏

كنت أخاف من هدير النهر الفائض. وكنت أمتنع عن النوم كي لا يغافلني النهر ويسرق شملة أبي الحمراء وعكازته. كان النهر يهدر كالزمن يترك أشلاءه على باب القرية ويمضي بينما تظل أم محمد (جميلة) على ثباتها تدق الحنطة في الجرن وتنفخ من التعب, تريد أن تطبخ القمحية لأولادها الذين يتكورون في زاوية من المنزل الترابي بعيدا عن الوكف والبرد.‏‏

ها هي العاصفة مرة أخرى.. رياح وأمطار وطوفان مخيف أشد هولا من طوفان الطفولة.. لقد اقترب كثيرا من جرن الحنطة الحجري.. بل زاد في غيه وعناده بأن دخل مقبرة القرية. لم يحسب حسابا لمشاعرنا.. ولم يقم اعتبارا لحرمة الموت. أحاط قبر أبي وغمر عمامته وكرسيه الخشبي الذي كان يجلس عليه والسبحة في يده.. وغمر قبر أمي أيضا. شعرت بالخوف وأردت أن أناديها لأحتمي بها من الطوفان والبرد وهدير الزمن.. لكن القبر ظل على هدوئه والموج الموحل يخبط قبر الشابة أمل وقبر عمي ولم يسمع ولولة الجرن وهو يفجر قبر أم محمد (جميلة) التي لم تجف وروده بعد- مع ذلك ها أنا أسمع صوت دق الحنطة وأسمع لهاث أم محمد وأسمع القطط تموء ومنقل الحطب يترك دخانه الجميل على وجوهنا المحروقة من البرد.. ها أنا أمام الطوفان.. أشجار التين تنحني للعاصفة والأطفال الصغار يختبئون في حضن الآباء وأنا تحيط بي موجات الزمن.. لا أدري أي طوفان سيكون أرحم.. طوفان المطر أم طوفان الجوع الأميركي لمحاصرتنا كما نحن الآن? أم هو طوفان الشوق إليك لأحتمي بك علك تهدهد فزعي من طوفان قادم آخر.. لكن كيف أجيء إليك وكيف تجيء إليّ وبيننا ألف طوفان والسفن غرقى كلها?..‏‏

 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 18065
القراءات: 18062
القراءات: 18054
القراءات: 18061
القراءات: 18059
القراءات: 18061
القراءات: 18058
القراءات: 18060
القراءات: 18063
القراءات: 18052
القراءات: 18056
القراءات: 18057
القراءات: 18053
القراءات: 18051
القراءات: 18049
القراءات: 18052
القراءات: 18054
القراءات: 18054
القراءات: 18049
القراءات: 18069
القراءات: 18046
القراءات: 18063
القراءات: 18058
القراءات: 18196
القراءات: 18057
القراءات: 18050
القراءات: 18054
القراءات: 18055

 

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية