تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


«رسوم.. تتجاوز خطوطها»

إضاءات
الجمعة 13-4-2018
لينـا كيــلاني

عندما أقدم ذلك المخرج ورسام الكاريكاتور على مغامرته الجريئة في ما أصبحنا نعرفه اليوم على أنه (الرسوم المتحركة) لم يكن ليتوقع أن تلقى رسومه كل هذا الرواج، والانتشار حتى غزت كل عوالم الصغار، فسحرتهم،

وتعلقوا بها، وأصبحوا لا يستغنون عنها بحال من الأحوال. بل إن ذلك الفأر الشهير (ميكي) الذي ابتكره (والت ديزني)، وهو أبو الرسوم المتحركة بحق، قد نال شهرة لا تضاهيها شهرة، وأصبح رمزاً لتلك الرسوم، أو أيقونة لها.‏

وعندما قرر (ديزني) أن يقوم بإنتاج أول فيلم طويل من الرسوم المتحركة مقتبس عن قصة (بياض الثلج) للإخوة (غريم) اعتُبر الأمر آنذاك ضرباً من الجنون، وأنه الفشل بعينه، إلا أن واقع الأمر كان عكس ذلك، إذ نجح المشروع، وما زال الفيلم الأول حياً حتى الآن، ويعتبر علامة بارزة في سينما الرسوم المتحركة.‏

صحيح أن الانطلاقة الحقيقية لهذا الفن الذي ارتبط اسمه باسم (ديزني) كانت متواضعة من حيث الإمكانات المادية لا الفنية لدرجة أن استوديو الإنتاج لم يكن أكثر من فسحة في مرآب سيارات لا يتسع لأكثر من سيارة واحدة، إلا أن الإصرار على النجاح، وانتفاء فكرة الفشل رغم كل العوائق ما جعل تجارب الرسوم المتحركة تحقق غايتها المثلى.. وتحول ذلك المرآب الصغير إلى مدن ترفيهية مصغرة تحمل اسم (عالم ديزني) وتنتشر في كل الدنيا، وتستقطب إليها في كل يوم آلاف الزوار، وكأنهم يؤكدون بذلك أن من التجارب الناجحة ما لا يقف عند حدود مكان، أو زمن بعينه.‏

إن افتتان الصغار بهذا الفن إنما يعود إلى أنه بني على أسس نفسية ثابتة للطفولة من حيث إضفائها الحس والحركة، وحتى الحياة على الصور، والحيوانات من حولها مما هو حقيقي يغذيه الخيال، ويفتح عوالم الإبداع، حتى أصبح هناك سباق، وتنافس شديدان في أفلام الرسوم المتحركة، في البحث عن المدهش، والأكثر إدهاشاً، والغريب والأكثر غرابة من أساطير الشعوب، وقصصها الخالدة.‏

ومن هنا أخذت الرسوم المتحركة تسطو على روائع الأدب العالمي تبسيطاً، وتقريباً لذهنية الطفل، إضافة إلى تلوينها بألوان السحر والعجائبية. كل ذلك مع تطور تكنولوجيا السينما حتى رأينا أفلاماً يستمتع بها الكبار قبل الصغار، وهي مأخوذة مما يعرفونه من قصص، وكأن رسوم الأطفال مدت جسوراً بين العالمين، أو هي اعترفت ضمناً بنضج الطفولة خلال أكثر من نصف قرن من الزمن.‏

ولكن ماذا الآن عن هذه القفزة الهائلة في تكنولوجيا السينما التي تنعكس أول ما تنعكس على سينما الرسوم المتحركة؟. ماذا عن الكمبيوتر العجيب الذي يستطيع أن يصنع عشرات اللقطات في لحظات؟ وكيف سيتم إرضاء الأطفال مادام الكمبيوتر قد غدا جزءاً من حياتهم؟‏

مما يلفت الانتباه تأكيداً لما سبق أن الأمم العريقة التي تقدمت تكنولوجياً، وتنبهت إلى هذه الناحية قد صنعت أفلاماً للكرتون مستوحاة من حكاياتها، وقصصها، وأساطيرها كما هو الحال لدى الروس، والصينيين، والتشيك، واليابانيين، وغيرهم. صحيح أنهم أسقطوا عليها نظرات معاصرة لكنها لا تزال تحتفظ بملامحها الأصلية، وتُقدَم للطفولة في بلادهم على أنها جزء من حياتهم.‏

وهكذا نرى أن الغاية الأساسية ليس المتعة العابرة للأطفال، ولا التسلية الهاربة التي تنتهي بانتهاء الفيلم وإغلاق الشاشة، إنما هي قناة مهمة جداً من خلالها نستطيع أن ننفذ إلى ترسيخ القيم، وإعادة النظر في التاريخ، واستلهام الماضي. كل هذا بأساليب شائقة، وحكايات مغزولة بحكمة وتأن، ولا نشك أنها ستثير اهتمام الأطفال، وتشدهم إلى متابعتها، وتبني جسراً بينهم وبين ما يعيشونه أولاً، وبين من يتحاورون معهم من الكبار ثانياً. فأي قصة دينية، أو حكاية شعبية، أو سيرة بطل من الأبطال قادرة على أن تحقق الكثير ولاسيما إذا قام الحوار بين الأطفال وأهاليهم المتشبعين بها، أو على الأقل الذاكرين لها.‏

فلماذا لا نُقبل نحن العرب على هذا الفن وبقوة وحماسة بينما يساعدنا على ذلك مساعدة كبرى ناحيتان: الأولى أن تاريخ العرب ورموزهم مشتركة، ومن الصعب جداً الفصل بينها وإعطاؤها صفة إقليمية، أو محلية. وثانياً: أن اللغة المفترضة في الأفلام هي اللغة العربية التي توحد بين أقطارنا مع المراعاة طبعاً للغة الطفل الخاصة به السهلة، والمبسطة، والتي تبتعد عن التعابير الضيقة بل تنهل من نبع اللغة ذاتها.‏

ومادمنا قادرين على أن نحقق الهدفين معاً: التسلية والمتعة إلى جانب الفائدة فلماذا نقتصر على التسلية والاستمتاع فقط؟.. ولربما استطاع الطفل بخياله الخصب أن يلتقط مما يدور حوله في عالمه من أحداث، ورموز، وشخصيات، وكم تكون متعته كبيرة عندما يشاهدها مجسدة أمامه فيصبح وكأنه شريك في صنعها، أو كأنها اندمجت مع خياله فحلقت به إلى عوالم مثيرة وجميلة.‏

فهل بعد هذا لا نلتفت إلى ما يمكن أن يحقق للطفل العربي ما ينفعه ويمتعه؟‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 239
القراءات: 431
القراءات: 218
القراءات: 272
القراءات: 335
القراءات: 346
القراءات: 317
القراءات: 428
القراءات: 364
القراءات: 442
القراءات: 502
القراءات: 483
القراءات: 564
القراءات: 555
القراءات: 551
القراءات: 628
القراءات: 681
القراءات: 634
القراءات: 737
القراءات: 777
القراءات: 758
القراءات: 714
القراءات: 757
القراءات: 830
القراءات: 857

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية