تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


«هكذا يضيء قنديل أم هاشم»

إضاءات
الجمعة 8-9-2017
لينـا كيــلاني

عندما أصدر الكاتب البريطاني (كولن ويلسون) كتابه الشهير (اللامنتمي) أقام الدنيا ولم يقعدها وهو يطرح فلسفته الوجودية التي كانت استكمالاً لما جاء به غيره من المفكرين والفلاسفة من أمثال (كيركجارد)، و(جان بول سارتر)، و(ألبير كامو)، وغيرهم، وكانت مثار جدال واسع في أوساط المثقفين بين مؤيد ومعارض..

وهذا الفرد اللامنتمي إنما ينتمي الى ذاته، وانطلاقاً منها ينبثق العالم والعكس عنده غير صحيح.. فلسفة وجودية تركز على الذات الفردية.‏

إلا أن هذا الكتاب بعد أن حقق شهرته الواسعة خفتت الأضواء من حوله، وكثر النقد لما جاء بين صفحاته حتى كاد يُنسى.. وها هم الآن بعد مضي أكثر من ستة عقود على إصداره يعودون إليه، وقد غابت الفلسفات، وكأنهم يريدون أن يحيوا الرجل من جديد.‏

وما ذكرني بهذا الكتاب ومؤلفه بعد أن كنت قد قرأته في عمر مبكر جداً هو تلك المقالات التي ترد في الصحافة الآن حول فلسفة لامنتمي كولن ويلسون.. وتعود بي الذاكرة الى حادثة طريفة عندما زار ويلسون دمشق وكنت آنذاك ما أزال في عمر اليفاعة، وقد أثار كتاب اللامنتمي لدي أسئلة كثيرة كانت أكبر من أن أعثر لها على أجوبة في تلك المرحلة العمرية، وكانت فرصة اللقاء بالمؤلف قائمة عندما استضافه المركز الثقافي العربي في ندوة خاصة، وبكثير من الحماسة كنت أجلس في المقعد الأول، والأكثر قرباً من الضيف، وأنصت له باهتمام بالغ، وتكاد تساؤلاتي تنفجر في القاعة قبل انتهاء المحاضر من كلمته. لكن المفاجأة كانت أنني لم أتمكن من التحدث إليه لكثرة مَنْ تجمهروا حوله.. وعدت وأنا أحمل أسئلة جديدة فوق أسئلتي.. وظل اللامنتمي يدور في دائرة السؤال.‏

وأعقد مفارقة عندما تحدثني (هدى)، ولها من اسمها نصيب، تلك الصديقة المصرية السورية، أو السورية المصرية لا فرق مادامت تحمل الثقافتين معاً بحضور خصوصية كل واحدة منهما، وهي تحكي لي عن قراءاتها، وما ارتبط منها بذكرياتها. تقول لي: إنها تتماهى مع أبطال القصص والروايات، وتعيش في عمق السطور على مدى صفحات العمل الأدبي.. وتروي لي كيف أنها في عمر صغير أيضاً اصطحبت معها ذات يوم غطاء رأس، وتوجهت بمفردها الى حي السيدة زينب في القاهرة لتزور المسجد الأشهر فيها، وفي نيتها أن تسأل عن قنديل (أم هاشم)، هذا الذي كان عنواناً لرواية (يحيى حقي).. ومن بين الخطا المرتجفة من هيبة المكان، والنظرات الحائرة المتلهفة لالتماعة قنديل يضيئه زيت عجيب تقترب من قيّم المسجد لتسأله: أين قنديل أم هاشم؟.. لكن جوابه كان متجاوزاً براءة السؤال، ولعله لم يسمع من قبل بقصة ذلك القنديل عندما قال: لم يعد لدينا قناديل تضاء بالزيت، الآن هي الثريات التي تنيرها الكهرباء، فذاك وقت ولى وانقضى. وتحمل (هدى) براءتها وتعود بها من دون عثورها على ذلك القنديل الذي كان ما يزال يضيء في الذاكرة.. لكنها في حقيقة الأمر كانت تحمل انتماءها الصافي للمكان الذي هو الوطن، ولثقافته التي تشبعت روحها بها إذ نبتت من الأرض ذاتها.. فمن ذا الذي يجرؤ على أن ينفي دور الأدب في تشكيل الوجدان، وفي تعزيز الهوية الوطنية، والعثور على الذات في الثقافة المحلية؟‏

وبين المنتمي الذي يجد نفسه في كل مسار هو للانتماء الجمعي في الأرض، والمجتمع، والفكر، والثقافة، واللامنتمي الذي تغرّب في متاهات العبثية حتى انعدم انتماؤه لمجتمعه ومبادئه، وقيمه.. تقع الهوية التي يحملها المرء معه أينما ارتحل حتى لا يعود غريباً.. وتشتعل قناديل الأدب لتظل متقدة في ذواكر من عثر على قطرات من زيتها المضيء.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 162
القراءات: 180
القراءات: 257
القراءات: 321
القراءات: 333
القراءات: 385
القراءات: 424
القراءات: 412
القراءات: 380
القراءات: 394
القراءات: 456
القراءات: 497
القراءات: 477
القراءات: 547
القراءات: 576
القراءات: 621
القراءات: 185
القراءات: 871
القراءات: 932
القراءات: 1138
القراءات: 1171
القراءات: 1357
القراءات: 1502
القراءات: 1467
القراءات: 1534

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية