تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« صحافة الغبار الذكي »

إضاءات
الجمعة 28-7-2017
لينـا كيــلاني

مع تنامي الصراعات والأزمات في عالمنا تطور دور الصحافة بكل أشكالها، وأخذ خطاً تصاعدياً فاعلاً حتى أصبحت الصحافة تلعب دوراً أكثر تأثيراً مما كانت عليه في الألفية الثانية.

فإذا كانت صياغة الخبر تتطلب براعة من المحرر الصحفي ليكون الخبر مثيراً للاهتمام فإن الوقائع في هذا الزمان أصبحت من الإثارة بمكان بحيث ما عادت تتطلب تلك البراعة في صياغة أخبارها. وإذا كانت المقدرة على اصطياد الحدث ليصبح خبراً، أو سبقاً صحفياً هي معياراً للنجاح فإن الأحداث الآن باتت تعلن عن نفسها، وتفجر أخبارها قبل أن يبحث عنها أي أحد. فمسار العصر بأحداثه مدوية الأصداء قد غير كثيراً من وجه الصحافة التي كانت تعتمد على تقصي الخبر، ونشر المعلومة عنه. وإذا كان من تعريفات الإعلام البسيطة: أنه الوسيلة الرئيسية للتواصل مع الجماهير، فإن الجماهير أيضاً أصبحت تتواصل مع بعضها بعضاً عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، وهي قادرة على بث الأخبار فيما بينها، والترويج لها باستقطاب أعلى القراءات.. وكأنه شكل جديد من أشكال الصحافة.‏

لطالما كان للصحافة دورها الفاعل والمؤثر.. والإعلام الذي يشتمل على الصورة، والكلمة المسموعة ما كان ليقوم لولا الكلمة المقروءة في الصحافة، فهي النواة الأولى لكل ما انبثق عنها. والصحافة بكل صورها تعتمد على الجهد البشري، وعلى أهل الاختصاص ممن درسوا، وخبروا قنوات الصحافة وأساليبها. إن صياغة خبر في نشرة أخبار يعلن عن موقف سياسي لدولة ما، كما العنوان العريض على صفحات الجرائد اليومية.. كذلك بث الأخبار التي تقوم بها المؤسسات الإعلامية لا تنفصل عن المواقف السياسية لكل دولة.. ولكل مؤسسة إعلامية أساليبها الخاصة في الحصول على الأخبار.. ولكن الآن لم يعد للجهد البشري في عالم الصحافة تلك المكانة الحيوية التي كانت، إذ بات بالإمكان الاستعاضة عنه بما توفره التقنيات الحديثة.‏‏

إن تجربة ما كرست للجهد البشري في مجال الصحافة والإعلام كان لها وقعها في حينها، وهي تجربة الكاتب العالمي (إرنست همنغواي) عندما عمل كمراسل حربي لتغطية الحرب الأهلية الإسبانية.. إذ لم يكن من المألوف أن يتحول كاتب ما الى مراسل حربي يبث الأخبار من أرض المعركة. واعتبرت تجربته آنذاك واحدة من التجارب الجريئة، والاستثنائية التي صاغتها روح المغامرة.. هذه التجربة التي انعكست بشكل جلي في أعماله الأدبية.‏‏

والمراسل الحربي، أو المراسل الميداني تبدأ مهمته من ميدان القتال حيث يحصل على معلوماته من أرض الميدان ليبثها الى العالم، وربما دفع حياته ثمناً لمغامرته الصحفية هذه. والأحداث الأخيرة على مستوى العالم قد سجلت أعداداً كبيرة لصحفيين فقدوا حيواتهم أثناء مهمتهم، إذ أصبح المراقب الصحفي الذي غالباً ما يكون مع هذا الطرف أو ذاك عنصراً مستهدفاً في أرض المعركة، وهدفاً لإثارة ضجة إعلامية ما. وما لم يكن هذا المراقب، أو المراسل مؤهلاً، ومدرباً على خوض تجربته هذه في فضاء المعارك الشرسة فقد لا تكون له فرصة لينجو بنفسه.‏‏

إلا أن وجه الصحافة الحديثة سيتغير تماماً في السنوات القريبة القادمة، ومنها مهنة الصحفي، والمراسل الصحفي وقد باتت مهددة بالزوال إذ أصبح أي أحد يتصل بحاسوب، أو هاتف جوال وكاميرا بإمكانه أن يصبح صحفياً ومراسلاً لإحدى القنوات الفضائية، أو المؤسسات الصحفية. بل أبعد من ذلك إذ لن تعود هناك حاجة للعنصر البشري في جمع الأخبار بفضل كاميرات صغيرة، ودقيقة الحجم بإمكانها أن تنتشر في أي مكان كما ذرات الغبار في مهمة لجمع المعلومات والعودة بها الى غرف الأخبار.. إنه ما أصبح يسمى بالغبار الذكي هذا ينتثر في الفضاء ليعود بالخبر الدقيق، والأكثر دقة.‏‏

لقد أصبح رصد المعلومات صناعة قائمة بحد ذاتها.. كما أصبحت فكرة الاستغناء عن الجهد البشري في هذا المجال أقرب إلى أن تكون واقعاً اعتماداً على هذه التقنيات الحديثة، وأولها تقنية الواقع المعزز.. وهذا بدوره يساعد على صياغة أخبار قريبة جداً من الحدث الحقيقي.‏‏

إن مهام صحفية جديدة ستحل محل المهام الصحفية التقليدية في قادم الأيام، فطالما أنه لم تعد هناك حاجة لمن يأتي بالأخبار ويجمعها، فقد أصبحت الحاجة لمن سيقوم بمهمة التحقق من تلك الأخبار، وتحري صحتها ومصداقيتها، وربط الوقائع بعضها ببعض وفي وقت قياسي ليتحقق الفوز وليس السبق الصحفي.. ذلك لأن كم المعلومات، والأخبار التي بالإمكان الحصول عليها قد غدا هائلاً بعد أن أصبح بإمكان كل من يحمل كاميرا ان يرصد حدثاً، ويوثق له.. ما دامت الصحافة الإلكترونية تملأ حيزها. بل أبعد من ذلك في مرحلة تالية عندما ستأخذ الحوسبة الصحفية مداها لتحل محل الأفراد، ولتحول مهنة الصحافة الى مهنة زائلة مادام سيصبح بمقدور الروبوتات المجهزة ببرامج وخاصة أن تقوم بمقارنة البيانات الصحفية، والتأكد من صحتها، ومدى ملائمة عرضها على الجمهور، وبالتالي في مرحلة لاحقة فرزها في فئتين هما: تصلح أو لا تصلح.‏‏

فهل بعد هذا ستتبدد مهنة الصحافة كما تتبدد ذرات الغبار في الفضاء.. أم سيظل للموهبة الصحفية فضاؤها الذي لا يملؤه غيرها؟.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 2
القراءات: 380
القراءات: 185
القراءات: 236
القراءات: 304
القراءات: 316
القراءات: 291
القراءات: 398
القراءات: 335
القراءات: 412
القراءات: 472
القراءات: 453
القراءات: 535
القراءات: 526
القراءات: 522
القراءات: 597
القراءات: 651
القراءات: 610
القراءات: 706
القراءات: 744
القراءات: 728
القراءات: 688
القراءات: 729
القراءات: 797
القراءات: 827
القراءات: 802

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية