تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


عمَّ يكتبون ؟

إضاءات
الجمعة 14-7-2017
لينا كيلاني

«يمكن للكاتب أن يرى كتبه تنشر بأعداد تصل الى مليون نسخة، لكن ذلك لا يساعده في أن يكون روائياً إلا إذا وجد شيئاً جديداً لإضافته الى المعرفة الإنسانية فيما يكتبه»، هذا ما يقوله (أرنست همنغواي).

ويقولون: إن الألم العظيم يأتي بالإبداع العظيم.. وها هي بلداننا تسقط في بئر الألم العظيم فماذا جاء به الإبداع الذي اكتوى بتلك النار الحارقة؟.. ما يطفو على السطح الآن كزبد البحر الذي سرعان ما يتلاشى عند بلوغه الشاطئ.. عشرات المؤلفات بين قصة، ورواية صدرت في السنوات القليلة الأخيرة، ومنها ما يتحدث عن أزمة الفرد الذي أحرقته نار الحرب، أو عن مأزق الأوطان التي تمزقت منها الأوصال، أو عن مجتمعات هاجرت برمتها فذابت في مجتمعات، أو ظلت على شاطئ الإنتظار وعيونها معلقة على ضفة الوطن، وعن كثير من المشاهدات التي باتت تطالعنا في الإعلام ليل نهار.‏‏

لقد وثّق كبار الكتّاب في الشرق، والغرب لأزمات الحروب التي اشتعلت في أنحاء مختلفة من العالم في أعمال أدبية اشتهرت وانتشر صيتها كما النار التي تمتد وتلتهم، ووصلت عناوينها الى كل بقعة على مساحة هذا العالم الذي لا تهدأ صراعاته، فظلت خالدة، ومتجددة بآن معاً ذلك لأن ملامح الصراع الإنساني على مر الدهور والأزمان هي واحدة في النصر والهزيمة، في الولاء والخيانة، في الكره والحب، وفي الإيثار والاستغلال.‏‏

أما متى كتب هؤلاء المشاهير قصصهم ورواياتهم التاريخية التي ترصد حقبة معينة من الزمن، وتقف على أحداثها التي شكلتها فهذا هو السؤال.. إذ أن أغلب الأعمال الأدبية المعروفة التي سنسميها بالحربية كانت قد صدرت بعد أن نضجت رؤيا الأحداث، والأديب يضمّنها رؤياه الاستشرافيه لمصير تلك الأحداث، ونهاياتها حتى إذا ما عادت الأجيال اللاحقة الى هذه النصوص وجدتها وكأنها تصف حالها في يومها، وتتحدث عنها بلسانها، وكأن كاتبها كان قد قفز عبر الزمن ليكتب عما هو آتٍ.. أما أسماء هؤلاء الكتّاب العظام، وعناوين أعمالهم فلا مجال لذكرها هنا، وهي كثيرة، ولا سبيل لتعدادها.‏‏

وها هو التاريخ يعيد نفسه في موجة الروايات (الحربية)، أو تلك التي تتحدث عن الحروب المستعرة في الوطن العربي، وهي تطرح في سوق الكتاب كل يوم عملاً روائياً، أو قصصياً جديداً يعالج الأزمة القائمة من وجهات نظر متعددة، ومتباينة فيما بينها الى درجة الاختلاف المفجع مادام الناس قد انقسموا الى فريقين اثنين لا ثالث لهما.. والضد يقابله الضد.‏‏

والقارئ العادي غالباً ما يتأثر برأي الكاتب من خلال شخوص القصة، وخط حياتها الذي يرسمه مسار أحداث العمل الأدبي ليصل في نهاية الأمر الى قناعة ما.. أراد لها الكاتب أن تكون هي الهدف.‏‏

إلا أن كاتباً عالمياً كتولوستوي مثلاً يترك لقارئه المجال ليحدد هو بنفسه موقفه من الأحداث، ورأيه حيالها، ويرفض بشكل قاطع أن يصادر قارئه لصالح قناعاته.. فما بالنا إذاً اليوم ونحن نطّلع على عشرات، أو مئات الروايات الحديثة التي تحاول أن تصطاد القارئ إذ تتناول موضوع الحرب وبمسمياتها الدقيقة حتى في الأماكن، والأحياء، ومعالم المكان؟.. إنه الموضوع الأقرب والأسهل في التناول كما يظن البعض منهم ـ وربما من شاهد عيان عبَر الحدث، ودون أن يدرك ماذا يجري في خلفيته. إنه مزلق الكتابة الذي استسهله بعضهم دون خلفية معرفية مقنعة جعلت من روايته ليس أكثر من نص هش سرعان ما يفككه الناقد ليغدو هباءً.. حيث لا شخوص تعلق في الذاكرة، ولا حبكة روائية، أو مهارة في القص تنقذ العمل.‏‏

روايات تطرح بقوة وجهات نظر لم تصقلها نهاية الأحداث بعد، وفي محاولة محمومة من مؤلفها لخلق مناخ ما، أو انطباع ما حول ما جرى ويجري، أما تبرير الأحداث فذلك له مسارب تتنوع في تحليلاتها مادامت الأزمة لا تزال قائمة، والغيمة السوداء لا تزال ماثلة.‏‏

إن عشرات الروايات التي طبعت مؤخراً (وغالباً على نفقة مؤلفيها) من المبتدئين، أو المجربين الهواة كانت لها الجرأة عن غير خبرة في تناول موضوع واحد موحد جمع بينها ألا وهو (الحرب).. حتى كادت أن تقول لكبار كتّابنا وأدبائنا أين أنتم من هذه الأزمة؟ لماذا تصمت أقلامكم، وتغيب أصواتكم؟ لماذا لم تكتبوا بعد؟ ألم تكونوا أنتم أحق بتوثيق ما حصل، والأدب يوثق للتاريخ؟.. إلا أن كبار الكتّاب مازالوا صامتين فعلاً، فالزمن قريب جداً من مسافة الأحداث، وقد يحتاج توثيقها الى ما هو أبعد حتى تكون كامل الصورة واضحة في مشهد الحدث.. بل كأن من تمرسوا في الكتابة، وعُرفوا ككتّاب وأدباء قد غابوا عن الساحة ليظهر هؤلاء الذين استغلوا الظرف التاريخي لينطقوا بما قد يكون في موضع إعادة النظر به بعد أن تنقضي الأزمة، وتنتهي الحرب.. أو أنها روايات سيلقى بها الى مزبلة التاريخ إذا ما انكشفت فيها لعبة الارتزاق، أو المزايدة على قيم المواطنة، والانتماء.‏‏

وبعض من ركبوا موجة الرواية الحربية هم ساخطون غاضبون بحجة أن إبداعاتهم الروائية لم تنل توزيعاً جيداً ليتعرف اليها الجمهور، وبالتالي لم تنل حظها من النقد الإيجابي والشهرة، ولهذا ظلت الدنيا في مكانها بالتالي، ولم تقم ولا تقعد بسببها. وباختصار تُلخَص هذه الروايات على أنها نصوص امتلأت سطورها بأحداث تصلح لأن تكون أحداثاً ثانوية تواكب حدث الحرب الكبير ولا تطغى عليه.‏‏

وحتى يأتي ذاك اليوم سنظل بانتظار أعمال المبدعين من أدبائنا، وكتّابنا التي ستصدر بعيداً عن العلاقات الشخصية، والأمزجة العدوانية، والتكتلات، والتحزبات، لنضع إنتاجهم القادم في موضعه المناسب من الإنتاج المعاصر عربياً، وعالمياً.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 162
القراءات: 180
القراءات: 257
القراءات: 321
القراءات: 333
القراءات: 385
القراءات: 424
القراءات: 412
القراءات: 380
القراءات: 394
القراءات: 456
القراءات: 497
القراءات: 477
القراءات: 548
القراءات: 576
القراءات: 621
القراءات: 185
القراءات: 872
القراءات: 932
القراءات: 1138
القراءات: 1171
القراءات: 1357
القراءات: 1502
القراءات: 1468
القراءات: 1534

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية