تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


بوتين ــــ ترامب.. حدود الاتفاق ومساحة الاختلاف

الافتتاحية
الأحد 9-7-2017
بقلم رئيس التحرير: علي قاسم

لم تكن الدقائق المئة والأربعون التي جمعت الرئيسين الروسي والأميركي، كافية لحسم تراكمات تمتد لأشهر وبعضها يعود لسنوات خلت، لكنها في الحد الأدنى أسست للقاء أول يمكن له أن يفتح نافذة في جدار ترتفع على جوانبه تراكمات العلاقة المريبة والتوجس المتبادل المحكوم

إلى حد بعيد بقوى في الداخل الأميركي تعمل على رفع المزيد من السواتر بين موسكو وواشنطن.‏

دبلوماسياً ووفق اللغة التي خرجت من سياق تعليق الطرفين على اللقاء كانت الجوانب الإيجابية هي السمة المميزة، بل بعضها ذهب إلى أبعد من ذلك ليبني افتراضياً خطوات مستقبلية من المبكر الاستفاضة في الحديث عنها، وهي تتحدث عن جوانب وقضايا لاقت نقاطاً مشتركة بينهما تستطيع أن تحرك ركوداً في العلاقات اتسم إلى حد بعيد بالتنافر والتضاد.. وصولاً إلى المجابهة سياسياً وفي جزء منها حمل رسائل عسكرية.‏

سياسياً.. من الصعب التمييز الفعلي بين ما صدر وما سيليه، حيث القراءات اللاحقة الصادرة عن الجانبين سرعان ما افترقت في بعض نصوصها وفي الكثير من مفرداتها، وبدا أن هوة الخلاف قد اتسعت، وأحياناً رجحت كفتها، حيث مساحة الاختلاف تجاوزت حدود الاتفاق كما اصطلح على تسميته، باعتبار أن النقاط الجوهرية التي حققت اختراقاً في التفاهم الروسي الأميركي محكومة في نهاية المطاف بإحداثيات المصالح وتداعياتها إقليمياً ودولياً، بما فيها ما سمي الاتفاق على محددات عامة لمنطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري، والتي تقاطعت مع التسريبات القادمة من لقاء الخبراء في عمان وتحديد مواعيد وتواريخ صالحة للتطبيق نظرياً، حيث فارق الهامش بينها وبين التنفيذ العملي يتسع باتساع التفاصيل التي يستدعيها مثل هذا التفاهم في حده الأدنى.‏

وريثما يُظهَّر التفاهم إلى اتفاق أو توافق ثمة أوراق إضافية تفرض نفسها على الطاولة، وتفرد معها ملفات يصعب تجاهلها، بل تجيز لنفسها أن تكون نقطة فاصلة بين منعطفين يضعان نتائج اللقاء الأول في موضع الاختبار الأقسى والأصعب مع سلسلة من الملحقات الإضافية بصبغة نوعية تتعلق بحدود ومساحة المصالح وتقاطعاتها مع تباينات واضحة في المقاربة، حيث حسابات البيدر الأميركي لا يمكن أن تتوافق مع حصاد الحقل الروسي، وهو ما ينسحب بالضرورة على الاعتبارات والأدوار التي تريد أميركا أن تعيد تعويمها في المنطقة وخارجها، وأن إصرارها على إدخال تلك الأدوار في المشهد الجنوبي يصطدم بعشرات المحظورات سياسياً وعسكرياً وحتى بنيوياً، بينما التنظيمات الإرهابية المراد إعادة ترويضها لتكون على مقاس الحاجة الأميركية تتورم إسرائيلياً، وهو ما يدفع إلى الجزم باستحالة الجمع بين صيف التفاهم السياسي وشتاء المواجهة مع الإرهاب ورعاته.‏

الأخطر يبقى الشكل النهائي المنتظر والخطوات اللاحقة التي تتعلق أساساً بأبجديات الترسيم الأولي للمشهد الإقليمي وإحداثيات المواجهة المفتوحة فيه، حيث المساكنة بين الإرهاب وتنظيماته بمستنسخاتها الأصلية والهجينة يصطدم بدوره بمساحة النفوذ المحتملة، مضافاً إليه أن ما كان محالاً عبر الإرهاب والعدوان لن يكون متاحاً بالسياسة، والابتعاد الأميركي طوال الأشهر الماضية أو سياسة «النأي بالنفس» عن الأفكار الروسية لا تزال لها رواسبها المحكمة في الاتفاق الذي يتم الترويج له، ناهيك عن العوارض الجانبية المتورمة في كثير من النقاط، والجوانب التي تحتاج إلى لائحة خاصة من منجمي الطلاسم السياسية لفك ألغازها.‏

قد يكون من المبكر الحسم بحدود أي اتفاق حصل في اللقاء الثنائي، ومن غير المستحسن الإخراج النهائي لمساحة الخلاف التي لا تزال قائمة في جوانب واضحة لا لبس فيها، لكن ذلك لا يمنع من الاستفاضة الفعلية في التحذير سياسياً ودبلوماسياً من تبعات لقاء يظل محكوماً حتى إشعار آخر بنيات مبيتة وعوامل دفع أميركية غير خفية نحو المبارزة واستعراض العضلات، التي يحاول الروسي أن يخفف من عوارضها الجانبية، وإن تخلى عن بعض تحفظاته على الكثير مما ظهر حتى اللحظة، حيث اللعبة ليست في التفاهم أو الاتفاق، ولا هي في الترويج، وإنما تبقى في الأدراج المغلقة على الأوراق المشتعلة والملفات المفخخة التي تنتظر الخطوات اللاحقة.‏

لقاء بوتين وترامب الأول يفتح الشهية على حديث طويل ومسهب، وعلى تفاصيل حصلت وأخرى لم تحصل بعد، وقد لا تحصل أبداً، ويطلق العنان لاستنتاجات متسرعة ومتعجلة في خلاصاتها، وربما تغض التسريبات الطرف عن الكثير مما شهدته قاعة اللقاء، لكنه لن يستطيع أن يحجب حقائق النيات الأميركية المبيتة، ولا أن يغطي على الكثير من العيوب والنواقص، ولا أن يتستر على ما يستحيل حتى النقاش فيه، وتحديداً ما يتعلق بأدوار ومهمات وظيفية للأردن وإسرائيل ستبقى خارج التداول، حيث ما عجزت عنه التنظيمات الإرهابية والاعتداءات الإسرائيلية وتورم الوهم الأردني والتغول الأميركي، لن تحققه سياسة تقاسم النفوذ والمحاصصة السياسية المبتورة والقاصرة، فالجنوب كما الشمال في سورية لا تحكمه قواعد نفعية قد تصل في نهايتها إلى مكافأة داعمي الإرهاب، ولا تحسمه معادلات تقضي تحت أي مسمى بتعويم الإرهاب..!!‏

a.ka667@yahoo.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 علي قاسم
علي قاسم

القراءات: 160
القراءات: 1171
القراءات: 1258
القراءات: 1336
القراءات: 1691
القراءات: 1512
القراءات: 2758
القراءات: 1878
القراءات: 2142
القراءات: 2274
القراءات: 2019
القراءات: 2319
القراءات: 2473
القراءات: 3326
القراءات: 2478
القراءات: 2980
القراءات: 2963
القراءات: 2975
القراءات: 3511
القراءات: 3008
القراءات: 3397
القراءات: 3295
القراءات: 3284
القراءات: 3551
القراءات: 3553
القراءات: 4150

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية