تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


سنابل العمر

معاً على الطريق
الأربعاء 28-3-2018
أنيسة عبود

ليس ضرورياً أن يلتقي الكتّاب والأدباء وجهاً لوجه حتى يتعارفوا.. فالكلمة تكفي لأن تجمع وتختصر بين حروفها الأزمنة والأمكنة وبؤرة الخيال والذاكرة.

حتى إن قصيدة واحدة تكفي لأن نعرف أفكار الشاعر وقيمه وانتماءه والطريقة التي يرى بها العالم.. لدرجة أن بعض القصائد تشي بعطر الشاعر وأخلاقه وزمانه، لذلك تقربنا قصيدة وتجعلنا عشيرة حروف منتمية للجمال والفن والإبداع على الرغم من بعد المكان والزمان.‏

وأنا حين (قرأت سنابل العمر) للشاعر جميل حداد الذي لا أعرفه شخصياً ولم ألتق به في مدينة ولا في حارة ولم تجمعنا قريته على الرغم من قربها من قريتي.. شعرت أني أعرف هذا الشاعر الرقيق المفعم بالإحساس الوطني والقومي والإنساني. وتلمست بين نقط الحروف والبياض مدى ارتباطه بالأهل والأصدقاء وإخلاصه ونبله لمن وقف معه في مسيرة حياته الطويلة التي تعرجت بين الفقر والغربة والسجن والمطاردات الحزبية حين كان العمل السياسي عملاً سرياً خطيراً.. لم ينس الشاعر تاريخه ولا نضاله وعلى الرغم من استلامه المناصب العديدة التي توزعت بين محافظ و وزير ورجل أعمال إلا أنه لم يتنكر يوماً لأصدقائه وخلانه ودمشقه الحبيبة. والدليل على ذلك ما ضمته ثلاثة دواوين شعرية مطبوعة حديثاً هي (صدى الحنين - مزن الخريف - وسنابل العمر - هذه الدواوين فيها خزان مشاعره ومحبته وحزنه.. وفيها كل الذين عرفهم وعبروا زمنه وتاريخه فكتب لهم وأهدى إليهم القصائد معبأة بعطر الحنين و ورد الذكريات مع بعض الأسى والشعور بالفقد لكثير من أحبته).‏

يقول في بوحه لابنته الشاعرة والروائية د. سلمى:‏

جاءت سليمى فجاء العز والرغد - أهلاً سليمى وسهلاً قالها البلد)‏

ويقول في الشام ( شآم طال النوى والحب ما ذبلا --- ولوعة البعد ما أقصت لنا أملاً)‏

لعل الشاعر في دواوينه الثلاثة لا يبحث عن الابتكار والخيال الجامح بقدر ما يبحث عن بث المشاعر والحب والحنين للناس وللمدن التي شكلت ذاكرته وخياله وأعطته الأمان والاستقرار وهو القادم من ريف مليء بالأوجاع والعذاب والفقر، وعندما قيضت له الراحة المادية لم ينسلخ عن تاريخه وأصدقائه وفقراء قريته فظل وفياً لهم، نبيلاً حتى في قصائده التي تبجل الصداقة والوفاء والعطاء. وهذا يمكن تلمسه من خلال العناوين والهوامش التي ما إن يقرأها المرء حتى يقرأ التحولات والمتغيرات التي حدثت في سورية في مرحلة الخمسينيات والستينيات إضافة إلى الشخصيات السياسية والقيادية والعلمية التي كانت فاعلة ومتواجدة على الساحة السورية والعربية.‏

إن الشاعر جميل حداد يصنع جسراً من الأخيلة والذكريات يمتد بين الماضي والحاضر عبر لغة سهلة صادقة تدخل القلب مباشرة لشدة صدقها وإحساسها العالي فتحزن لحزن الشاعر وتفرح لفرحه.. وقد تقف متأملاً مسيرة رجل تجاوز الثمانين ولم تنضب قريحته ولم تنته جعبته من المفردات الجميلة والصور المعبرة، ولم يفتأ يسهر ويتذكر ويحلم ويحن إلى أماكنه الأولى وصباه الأول ورفاق دربه متحدياً الحبر والبياض.‏

في القصائد جميعاً نكتشف حنيناً موجعاً وتاريخاً مؤلماً يتجول بين الصفحات، أسماء لأشخاص تتعرف عليهم وتلمسهم من خلال القصيدة فيصيرون جزءاً من ذاكرتك يؤلمونك عندما يغيبون كما لو أنهم أحبابك وهنا تكمن قدرة الشاعر على إيصال أحاسيسه إليك.. وما إن تغلق الكتاب (الديوان) حتى يمتزج خيالك بخيال الشاعر وذكرياتك بذكرياته. لدرجة أن الديوان يصير كتاباً شخصياً جداً وهذه ميزة مهمة تسعد القارئ وتقربه من عوالم الشاعر، فتختلط القضايا الشخصية بالعامة وتكّون فضاء خاصاً يجتمع فيه القارئ والشاعر وصاحب القصيدة المعني بها وكأن البوح بين الثلاثة بوحاً واحداً لشخص واحد وليس للشاعر فقط الذي لا يتوقف عن صدى حنينه لعل هذا الحنين يعيد الزمن الذي تفتت حبكته وشاخت دروبه فيكون البوح هو الأقدر على الإمساك بالأيام الهاربة وسجنها في قفص اللغة العظيم الذي لن يسمح بالنسيان والحيرة وبالتالي الاقتراب من عالم ضاع بين الأصحاب والأحبة الذي ابتعدوا أو غابوا.‏

للقصيدة في الدواوين الثلاثة مهمة جمالية وفنية بالتأكيد ولكن الأهم بالنسبة للشاعر هو تثبيت لحظة هربت في غفلة من زمن عربي تطحنه الحروب والويلات. والشاعر لن يستسلم لها سيظل في قصيدته يقظاً يدق ناقوس الماضي حتى يستيقظ الحاضر الذي ملأ قلب الشاعر بالجراح.‏

(لكن جرحي مغمور وغامره -- بعد الأحبة عن قلبي وعن طلبي‏

وجرح أمتي في الأحشاء موقعه -- بئس الجراح التي جاءت بلا سبب)‏

الجراح كثيرة، لكن الكتابة نوع من البلسم للروح الغريبة العليلة التي تبحث عن عشبة الخلود الأبدية.. وما إصرار الشاعر جميل حداد على طباعة دواوينه الثلاثة متضمنة نتفاً من سيرته وحياته في هذه المرحلة إلا إيمان الشاعر بالكلمة والأدب والإبداع.. حيث لا تنبت عشبة الخلود إلا في أرضه ولا ويتوقف الزمن إلا في أبديتة التي لا تفنى.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 87
القراءات: 148
القراءات: 136
القراءات: 172
القراءات: 188
القراءات: 177
القراءات: 190
القراءات: 228
القراءات: 234
القراءات: 236
القراءات: 292
القراءات: 296
القراءات: 287
القراءات: 437
القراءات: 316
القراءات: 372
القراءات: 364
القراءات: 356
القراءات: 437
القراءات: 474
القراءات: 435
القراءات: 468
القراءات: 487
القراءات: 581
القراءات: 538

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية