تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


بتوقيت الرابعة فجراً

معاً على الطريق
الجمعة 15-12-2017
ديب علي حسن

لم يكن مقياس الوقت بهذه الدقة التي نعرفها اليوم، أبناء القرى التي تغفو على هدهدة حكايا الصيف، وجمر الشتاء، ومواعيد غالباً ما تكون قبيل بزوغ الشمس حين يحين نضج التين والعنب،

ومع لسعات الشرقي العاصف شتاء، على وقع اقتلاع الأشجار، وتطاير أغطية مساكب الدخان، والجلبة التي لا بد أن توقظ الجميع ليتفقدوا ما حل بأرزاقهم، الصباح العاصف مع الثلج ينذر بما لا تحمد عقباه مع يوم يوقظنا من الرابعة على صياح الديكة التي تعني أن حفلة اليوم قد بدأت، في شتاءات القرى لم نكن نعرف الراحة إلا حين يكسو الثلج كل مكان، على حركة البركة التي تقوم بها الأمهات لا بد أن الموعد قد حان.‏

ولكن ما لنا وللشتاء الكئيب الأخرس، الرابعة مع صياح ديكنا، توقظني أمي خلسة عن إخوتي، أفرك عيني قليلاً، أتبعها بعد أن أسرجت على ظهر دابتنا، ودفعتها أمامنا، نمضي صوب الوادي السحيق، لا أعرف كيف تمشي الدابة أمامنا دون أن تخطئ، الغاية نبع السن (الراهبية) حيث الفستق، لا بد من قلعه، وفرط حباته، لنحظى بحمل من الورق نعود به إلى بقراتنا، قطعنا مسافات من الخوف، كلما تذكرته الآن أشعر بقشعريرة، وحين عدت إليها فيما بعد نهاراً كنت أرتعد وبقلبي سؤال يرتجف: كيف مضينا هنا منتصف الليالي أنا وأمي بلا خوف....؟‏

أما الرابعة الثانية فجراً لم تكن أقل غرابة عن تلك الأولى، أصل الرقة الثالثة والنصف بقطار انطلق من دمشق، وقرب المطاحن، حيث كراجات تل أبيض يلفظنا على قارعة رصيف، ليكمل الطريق إلى دير الزور والحسكة، حنين دائم كان يشدني أن أبقى به متابعاً إلى الدير فالحسكة، لكن شيئاً ما يحول دون ذلك، أستجمع نفسي وأقف على الرصيف منتظراً سيارة أجرة، هي المرة الأولى التي أزور فيها الرقة، أقترب من منتظر آخر: هل يتأخر وصول باص النقل الداخلي...؟ (شنهو) باص نقل داخلي .......(شنهو الباص) لا شيء، أريد تكسي، يضحك، ويسألني أهي المرة الأولى التي تزور فيها الرقة؟ نعم، لا تكسي هنا، انتظر (طريزنة) وأجرتها 25 ليرة....!!!‏

(طيرزنة) لا، لن أنتظر، أغب السير وحيداً على غير هدى، سأمشي إلى الرقة مهما كانت المسافة، المكان موحش، معتم، لكن لا شيء يدعو للخوف، للوجل، الدرب آمن وخال من أي شيء إلا من وقع خطواتي...‏

وينتهي المشوار مرهقاً مهدود الجسد، إلى بقايا وأطلال فندق، وتنتهي الرابعة الثانية، لتبدأ رابعة ثالثة، هنا بدمشق يوقظني هاتف أرعن ويسأل: أبو علي...، نعم، أبو علي !!! لا، لست أنت، أريد (أبو علي) طيب، يوجد في هذه الدخلة ثلاثة يحملون اللقب (أبو علي الحسكة / حمص / جبلة) أيهما تريد؟.‏

ويعود الصوت (أبو علي الكردي) أوقظ جارنا أبا علي وهو يغمغم، كيف ولماذا يقلقك باتصاله؟ لا عليك، نحن جيران وتنطلق درغلة لا أفهم منها شيئاً ولكن محتواها أن المتصل في البرامكة ويريد أن يزور جارنا...‏

أما تلك الرابعة الرابعة، كانت منذ عدة أيام وقرب كازية الشيخ سعد أنتظر قادماً من القرية، ألفة المكان برجال يحرسون نومنا جعلتني على يقين أن للوطن حراسه المجهولين، يقترب مني شاب بثيابه العسكرية: هل جسر السيد الرئيس بعيد من هنا ؟؟‏

لا، ولماذا تسأل: كنت في دير الزور، من أربع سنوات لم أر أهلي، وقد عدت إلى مكان آخر أريد أن التحق به، تفضل معي، نمضي معاً بسيارتي، شعرت أني أعدت كل ما تمزق وتصدع من سنوات فقدت فيها ساعات الفجر التي تؤرقني ولكنها تغرس الأمل... بتوقيت الرابعة فجراً أمس واليوم وغداً حراً وقراً، جوعاً عطشاً، ثمة من يدفع عنا الأذى... بورك فجركم..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 90
القراءات: 170
القراءات: 173
القراءات: 253
القراءات: 732
القراءات: 192
القراءات: 253
القراءات: 229
القراءات: 307
القراءات: 255
القراءات: 302
القراءات: 303
القراءات: 454
القراءات: 380
القراءات: 495
القراءات: 527
القراءات: 604
القراءات: 679
القراءات: 811
القراءات: 4463
القراءات: 670
القراءات: 976
القراءات: 1065
القراءات: 1084
القراءات: 1230

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية