تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« العيون الخفية »

إضاءات
الجمعة 27-10-2017
لينـا كيــلاني

كل ما نفعله تسجله الحياة إما لصالحنا أو ضدنا.. إلا أن هذا الأمر بات لا ينطبق فقط على مسار الحياة الاعتيادية للمرء بل إنه يحصل أيضاً على صفحات شبكة المعلومات.. هذه الساحة الممتدة الى اللانهاية فيما تختزنه ضمن صفحاتها من معلومات عن كل شيء،

وفيما تضيفه الى رصيدها من جديد في كل لحظة وثانية.‏

والحاضن الأمين على هذا الإرث المحفوظ عبر الصفحات الإلكترونية هو محرك البحث العملاق الأشهر، والأضخم، والذي باتت سيرته على كل لسان، والأصابع قبل العيون لا تتحرك على لوحة المفاتيح الإلكترونية للحواسيب والأجهزة المحمولة على اختلافها إلا ودخلت الى مملكته العامرة بكل معلومة.. إنه (غوغل).. الذي بات غنياً عن التعريف، ويعرفه الجميع، وسواء فاز بثقتنا فيما يبثه إلينا من معلومة، أو لم يفز فإن الجميع يلجؤون إليه لسبب أو لآخر. إلا أن معرفته بنا قد تتجاوز معرفتنا به وبأسراره.. فالعم (غوغل) ـ وهكذا يحلو لي أن أسميه ـ لا يغمض عيناً له للمراقبة، بل يظل متيقظاً، ومتأهباً باستمرار ليسجل كل تحرك من تحركاتنا على الساحة الإلكترونية الواسعة.. واللانهائية لعالم (الويب).. وكمن يحصي عليك أنفاسك يقوم (العم غوغل) بعدِّ خطواتنا التي نخلفنا وراءنا على شبكة المعلومات كآثار فوق رمال الصحراء، أو فوق ثلوج الجبال لتعلن أننا مررنا من هنا.. وببراعة يحولها الى بيانات، وكأنها المستندات التي توثِّق لكل ما اقترفناه على مساحة الشبكة.. ونحن نظن أننا وحدنا في غرفة مغلقة خالية إلا من سوانا، لا يرانا فيه أحد، وما من امرئ يدري ماذا نفعل ونحن نتجول. وحده (العم غوغل) مَنْ يعرف.. ووحده مَنْ يستطيع أن يحول سلوكنا الى بيانات يحفظها لديه في جهة بعيدة عنا لتكون في وقت ما ولسبب ما إما معنا، أو ضدنا.‏

مراقبون نحن إذن رغماً عنا في عالم لم يعد فيه مكان للسر. تقول إحدى الأساطير القديمة أن واحداً من حاشية الملك عرف سراً ما كان له أن يعرفه لولا أقدار المصادفة، فضاق به صدره، وخاف أن يذيعه فيناله غضب الملك، فما كان منه إلا أن حفر حفرة في الأرض، وأدخل فيها رأسه ليهمس بالسر الخطير.. وسرعان ما تنفس بارتياح بعد ان ردم الحفرة التي ألقى فيها السر، وظن أنه ما يزال في مأمن لأنه لم يبح بكلماته الى أي أحد من الناس، وأن تراب الحفرة هو خير حارس لما قاله. لكنه في نهاية الأمر لم ينج من عقاب الملك.. فقد سمعت الريح همسه حين فعل، وحملته في الاتجاهات الأربع لتذيع السر. وها هي الوسائل الحديثة لكل اتصال وتواصل تفعل فعل تلك الريح فيما تنتزعه منا من أخبار وأسرار، ولو أنها تعدنا بميثاق الحفاظ على خصوصيتنا لأنها ملك لنا وحدنا، ولو شاركتنا هي فيها.. ولكن ماذا لو أنها أصبحت ذات يوم كتلك الريح الفضولية التي قبضت على السر وعندما تجولت كعاصفة نثرته في كل الأرجاء؟.. فأين سنختبئ عندئذ وكل الساحات مرصودة، ومكشوفة، ولا مظلة تحمي من عين فضولية جلية أو خفية لا توفر أحداً مادام المرء واحداً من رعاياها الذين يتجولون في ساحاتها.‏

لقد ضاقت مساحات حرياتنا الشخصية باتساع آفاق التكنولوجيا، وحتى من السماء فهناك عين واسعة تنفتح لتنظر الينا عبر الأقمار الصناعية، فتحدد أماكن تواجدنا وتجوالنا، فكيف سننجو من عين الأفق، وعين الأرض التي ترصدنا من كل اتجاه.. وقد تترصدنا أو تتربص بنا؟.. وإذا ما انكشفت ساحاتنا.. سهل اصطيادنا كأفراد، أو كجماعات لا فرق، ولا يهم من أي بلدٍ نحن، أو من أي عرقٍ، أو لونٍ، أو انتماء.. كل ما يهم هو أنه بقدر ما تنتهك أسرارنا، وتذيع أخبارنا نصبح صيداً ثميناً لمن يملك قواعد بياناتنا في قمة هرم العالم.‏

إن ثروة المعلومات في العصر الحديث باتت تعدل في قيمتها ثروات الطبيعة كما النفط، والذهب، وكل ما يشكل عنصراً للثروة القومية للدول.. إذن فجمع المعلومات لم يعد مجانياً بل إنه أصبح غائياً.‏

لكن (العم غوغل) العارف بخطواتنا الإلكترونية، والقابض على كل أثر يحمل بصماتنا لا يفوته أن يسجل مبادرة جريئة لصالحه للتمويه ربما، أو لإثبات حسن النية، أو أن المعلومة ذاتها لم تعد ذات أهمية، إذ أصبح يسمح لنا بأن نعود من خلاله الى كل ما جمعه عنا من بيانات خلال العقدين الماضيين عندما سجل كل موقع زرناه، وكل كلمة أو عبارة بحثنا عنها، وكل صورة أو فيلم شاهدناه، ليمنحنا فرصة محو ما نشاء.‏

فإذا كان بالإمكان أن نصحح أخطاء العمر التي اقترفناها.. فهل بالمقابل بإمكاننا أن نصحح أخطاءنا الافتراضية في واقع ليس حقيقياً لكن انعكاساته كما تأثيره يمتدان بكثافة، وزخم في الواقع الحقيقي؟.. وهل بعد ذلك سنحسب خطواتنا، ونعدّها قبل أن ننطلق ببراءة، أو بخبث في هذه الطريق التي لا تمر عليها خطوة دون أن تسجل؟‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 192
القراءات: 189
القراءات: 252
القراءات: 277
القراءات: 330
القراءات: 557
القراءات: 623
القراءات: 824
القراءات: 909
القراءات: 1079
القراءات: 1211
القراءات: 1189
القراءات: 1256
القراءات: 1386
القراءات: 1422
القراءات: 1685
القراءات: 2009
القراءات: 1885
القراءات: 2048
القراءات: 2068
القراءات: 2417
القراءات: 2468
القراءات: 2568
القراءات: 2533
القراءات: 2783

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية