تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ربطة عنق وحرف دال

معاً على الطريق
الجمعة 27-10-2017
ديب علي حسن

لا أخفيكم أني حين أتيت دمشق منتصف ثمانينات القرن الماضي لمتابعة دراساتي العليا، كنت متأكداً أن أحداً على مستوى عال ربما وزير سيكون منتصب القامة يقف باستقبالي حين أنزل من (الهوب هوب) لأني لم أحظ بمقعد بالكرنك،

وصلتها العاشرة صباحاً تلفت يمنة ويسرة، لم أر أحداً يهتم، سمعت نداءات الباعة، تناولت السحلب مع الكعك، وتوجهت إلى كلية التربية، والمفاجأة أيضاً أن أحداً لم يرني، بل إن أستاذنا الدكتور محمود السيد أمد الله بعمره حين قرعت باب القاعة التي يعطي فيها محاضرة، قال لي: هنا دبلوم التأهيل التربوي، عدت منكسراً قليلاً، لكني طالب دبلوم، هل سيقيمون لي احتفالاً ما مثلاً قبل الدخول...؟‏

استجمعت ما لدي من إحباطات لأن أحداً ما لم يكن باستقبالي، وعدت إلى القاعة وقرعت الباب ثانية، وقلت: أنا طالب دبلوم، أهلاً بك، بابتسامة المربي الرائع الذي يحنو على الجميع، مر العام كئيباً، وأنا أنتظر من يأتي ليقيم لي الاحتفال بدخول دمشق، لكن ذلك لم يحدث، وعدت إلى طاولتي لا شيء سوى الكلمات.‏

هذه الحال من غرور ديك منفوش لم تدم طويلاً، ولم ترافقها أعراض أخرى، بل صارت ذكرى جميلة أشعر وكأنها حقيقة، ولكن هل هي وهمُ أم هلوسات لا أدري، لكن زيارتي الأخيرة إلى القرية ذكرتني بها، لأن أمي شجرة السنديان الباسقة التي تقارب التسعين من عمرها وما زالت تصر على العمل والعطاء، تغلق باب غرفتها وتوصده بعكازها على أنه القفل الأمتن في العالم وتقول لي: الدنيا أمان (لسانا بخير).‏

أمي بجلسة حديث تعاتبني: (يا بو علي شفتك على التلفزيون، حكيك حلو، ولباسك كمان، أي أمي كملي شو)؟‏

بس قال أخوك: لازم تلبس كرافية.....)‏

نعم.. ربطة عنق شيء لا أحبه و لا أستطيع أن احتمله لثوان، ربما ثلاث مرات لا أكثر كانت هذه الربطة رفيقتي، هل لأني قرأت أنها بقايا من الحبل الذي كان يربط به الرجال ويشدون..؟ أم لأنها تضغط على عنقي، أم لأن الكثيرين ممن يزدهون بها يحتاجون إلى الحبل كاملاً، ووتد على الطرف الآخر؟.‏

لا أدري، ولست بصدد البحث عن ذلك، ولكن ربطة العنق التي ترافقت الآن مع حرف الدال السحري للوصول إلى مناصب عليا، وهنا أذكر أستاذنا الدكتور السيد الذي كتب منذ فترة من الزمن زاوية تحت عنوان حرف الدال السحري، اليوم أتذكره، وأتذكر ذاك المعارض الأهبل الذي يحمل الابتدائية، وفي لندن قدم نفسه أنه دكتور، ومن باب المزاح قلت لأحدهم: لاحظت كم مناهجنا قوية، في لندن على الابتدائية يتم منحنا الدكتوراة، فكيف لو كنا نحمل شهادات عليا؟ ماذا سيتم منحنا؟.‏

بالمناسبة، لم أسمع أن بلداً في العالم مغرم بالألقاب كما نحن، دكتوراة على الثانوية، محلل سياسي، مفكر استراتيجي، ناقد أدبي، شاعر، إعلامي، طبيب يحيي العظام وهي رميم (ألقاب مملكة في غير أهلها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد).‏

حين عدت من القرية، فتحت الخزانة، وجدت ربطة العنق كما هي معقودة منذ عشر سنوات ونيف، نظرت إلى ركام الكتب، وإلى ما أنجزته يوماً ما على تواضعه، وناديت مريم ومايا: فتحتا حقيبة فيها بعض الأوراق عبثتا بها، قالت مريم: جدو مايا (بدها تمزق هالكرتونة.....) أي جدي مزقيها، لاحاجة لها، ربطة عنق، ومال ومحسويبات، ولقب دال من باعة بسطة عنده موقع على الشابكة هي عدة المستقبل.....لكني لن أفعل.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 92
القراءات: 174
القراءات: 173
القراءات: 255
القراءات: 735
القراءات: 194
القراءات: 255
القراءات: 229
القراءات: 309
القراءات: 258
القراءات: 304
القراءات: 307
القراءات: 456
القراءات: 381
القراءات: 495
القراءات: 528
القراءات: 605
القراءات: 679
القراءات: 812
القراءات: 4465
القراءات: 671
القراءات: 976
القراءات: 1066
القراءات: 1084
القراءات: 1231

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية