تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« إذ يأتي الإعصار.. »

إضاءات
الجمعة 15-9-2017
لينـا كيــلاني

أعاصير من أشكال مختلفة تجتاح العالم.. منها للطبيعة ومنها من البشر عندما يفجرون حروبهم واعتداءاتهم على بعضهم بعضاً.. وها هو واحد من أعتى أعاصير الطبيعة يضرب أجزاء من القارة الاميركية بغضب ووحشية تبلغ على مقياسها أعلى الدرجات.. ويشغل العالم بأخباره المتفجرة،

والمتبدلة.. والإعلام بإمكاناته المتقدمة والمتطورة، ينقل لنا أنباء العاصفة العاتية لحظة بلحظة.. حتى لكأننا نعيش تجربة الرعب مع من يتعرضون لها. إنه ليس فيلماً سينمائياً يجعلنا نجلس فقط لنشاهد، بل إنها مصائر بشر، وأناس يشبهوننا في ملامحهم، وأشكال أجسادهم.. ولهذا تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بعبارات التعاطف مع مَنْ يتعرضون لأخطار لا يد لهم فيها هي من صنع الطبيعة، وليست من صنع البشر.. إلا أن البشر ليسوا أبرياء وهم يتسببون بكوارث بيئية قد تنال من أي جزء من كوكب الأرض، وتتجلى بمظاهر مختلفة منها ارتفاع حرارة الأرض، وذوبان ثلوج القطب، والعواصف الاستوائية الهوجاء.‏

الإنسان يطغى ليُري كم هو قوي.. والطبيعة تعصف لتُري كم هو الإنسان ضعيف.. ويلفتني مشهد الإخلاء والارتحال للآلاف من السكان الذين تتعرض مناطقهم لعين الإعصار المتوحش وهو ينظر إليها كهدف على الأرض ليضرب كما غضب السماء.. والمشهد يكاد يكون كما هو حال من ارتحلوا عن بيوتهم لأسباب الحرب.. والناس لا يفارقون ممتلكاتهم أو أحباءهم بسهولة حتى ولو للنجاة بأرواحهم.. ومنهم من يختار ان يبقى رغم ضراوة الأنواء، ولو في مركب بحري لا بد أن سيجرفه الإعصار متجاهلاً كل التنبيهات والتحذيرات.‏

وإذا كانت أعاصير الحروب يصعب تعليلها، أو تحليلها وتبريرها فإن أعاصير الطبيعة أكثر بساطة وأقرب الى فهم أسبابها.. ولو أن بعض ظواهرها تظل غامضة حتى على العلماء الذين يدرسون ويبحثون.. إلا أن بعض الملامح تشي بباقي الصورة.. فما أفسده الإنسان على هذه الأرض خلال قرون يعادل آلافاً من السنوات كانت أكثر هدوءاً في استغلال مقدرات الأرض، وليس استنزافها الى حد الاعتداء عليها.‏

فمنذ أن بدأ الإنسان المعاصر يسيطر على الطبيعة، ويتحكم فيها بدأت مشكلاته مع البيئة، ولكن هذه المشكلات كانت ضئيلة حتى القرن الماضي عندما أخذت الصناعات تتوالد وتتكاثر في كافة أنحاء المعمورة، إلا أن التقدم العلمي المذهل، والتفوق الصناعي المبهر دفع الإنسان ليس الى السيطرة على الطبيعة، والإفادة منها الى الحدود القصوى بل الى استهلاكها، واجتراحها، وربما قسرها على أن تخضع لبرامجه العلمية، ولتجاربه اللامحدودة بما فيها تلك النووية مما أصبح يرهقها، ويعرض أحياءها الى الأخطار.‏

الطبيعة ـ كما هو معلوم ـ تميل الى أن تتوازن، وهي باستمرار في حالة تعويض وترميم لما يُفقد منها، ولكن حجم المطالب التي يفرضها عليها البشر، وبشكل سريع وصاعق، وعدم التنسيق بين مطلب وآخر يبرز كفواجع تحل بالطبيعة، ولابد أن يدفع الإنسان ثمنها، وعلى المدى البعيد أيضاً.‏

لقد اعتدنا نحن البشر أن نأخذ شيئاً من الطبيعة، ونغفل عن أهميته لما عداه.. نقضي على ما نعتبره ضاراً لنا دون أن نحسب حساباً لفائدته للطبيعة نفسها.. وجشع الإنسان وكبرياؤه، ولهاثه وراء مزيد من المكاسب من الطبيعة مستمر، ولا يقف عند حد. وعندما بدأت الأخطار التي تتجلى في ظواهر طبيعية عاصفة وعنيفة.. بدأنا كدول نحذر، وننبه الى هذه الأخطار، وتوجهت الأنظار نحو الحفاظ على البيئة، ورصدنا يوماً عالمياً لها للتذكير بضرورة صونها، ومراعاة سلامة البشر عامة وليس سلامة شعب ما في بلد ما، إذ ليس العلم في هدفه معبراً للدمار بل هو للمزيد من الازدهار.‏

إن الطبيعة كما أنها تمنح فهي تمنع، وبمقدار ما هي مطواعة فهي إذ تغضب فإن غضبها مدمر.. كوارث لا يمكن ايقافها، ولا الوقوف في وجهها بل هو الانحناء لها كما هي انحناءة الأشجار حتى تمر العاصفة.. فالبشر لا يعدمون أن يكونوا في مركب واحد.. إما للغرق أو للنجاة.. وللطبيعة عِبَرها وأسرارها.‏

إعصار مخادع له تقنية الحروب في الكر والفر يقول عنه من يمد بأخباره إنه أسوأ ما في الطبيعة إلا أنه أخرج أفضل ما في الإنسان عندما يتصدى للنجدة والإغاثة.. تلك المكنسة العاصفة التي جرفت كل ما وجدته في طريقها لعلها تكون طريقاً لتُغاث الأرض بالتالي مما يقترفه البشر بحقها، وبحق بعضهم بعضا.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 193
القراءات: 190
القراءات: 253
القراءات: 278
القراءات: 330
القراءات: 557
القراءات: 624
القراءات: 826
القراءات: 911
القراءات: 1079
القراءات: 1213
القراءات: 1189
القراءات: 1256
القراءات: 1386
القراءات: 1423
القراءات: 1688
القراءات: 2011
القراءات: 1889
القراءات: 2051
القراءات: 2069
القراءات: 2418
القراءات: 2468
القراءات: 2571
القراءات: 2534
القراءات: 2786

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية