تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


«انكسارات.. تعقبها انتصارات»

إضاءات
الجمعة 22-6-2018
لينـا كيــلاني

كل يوم تطالعنا أخبار لأناس يتفوقون في مجال ما.. وللسوريين نصيب ليس بقليل من هذه الأخبار.. فهذا قد تفوق في الرسم، والآخر في التأليف، وثالث في الرياضة، ورابع في الصناعة، وخامس في مجال الابتكار والاختراع، الى آخر ذلك. وتشعر وأنت تقرأ تلك الأخبار بنبض الفرح في قلبك..

لكنك تتساءل لماذا الآن أصبحنا نسمع، أو نقرأ عن هؤلاء وما من إشارة سبقت لتدل عليهم؟ هل كانت مواهبهم غائبة عنهم، وفجأة عثروا عليها؟.. لماذا لم نعرف عن بوادر تلك المواهب من قبل؟ أم أنها كانت غافية حتى انتقل أصحابها الى بيئات جديدة، أياً كانت هذه البيئات خارج وطنهم أم داخله، فإذا بهم يستنفرون ما لديهم من طاقات كامنة، وإمكانات فكرية وجسدية ليثبتوا حضورهم من خلالها حيث انتقلوا؟ لعل هذا هو التعليل الأقرب لفهم هذه الحالة التي كادت أن تتحول الى ظاهرة.. فمادام المرء في بيئة ساكنة هادئة، ومطمئنة في عيشها فإن استنفار ما لديه من طاقات كامنة يكون بوتيرة أقل قياساً الى ما يمكن أن يستفزه ليطلقها. أم أن الألم هو دوماً المحفز للإبداع؟‏

ولكن.. ليست هي البيئات فقط، أو حالات الألم والمعاناة التي تصيب المرء في مراحل من حياته.. بل إنه الإصرار على إثبات الشخصية كما الحضور. أما الإصرار فهو ينبع من احترام الذات، ومن الكبرياء. وكرامة الإنسان تأتي من احترامه لذاته، وهي أغلى من الحياة ذاتها.‏

ومادام الحلم قائماً فليس على المرء أن يبدل أحلامه طالما أنه يؤمن بها، لأن تغيير الأهداف قد يكون أحياناً مدمراً.. وقد يحدث أن يموت الإنسان في سبيل ما يؤمن به إذا كان يتمتع بكرامتة، واحترامه لذاته.‏

وأتذكر مع هذا السياق فيلماً سينمائياً كان قد علق في ذاكرتي منذ الطفولة هو (الشيخ والبحر) للكاتب العالمي (إرنست همنغواي). وكنت آنذاك مأخوذة فقط بمغامرة البحر، وبتلك السمكة العملاقة التي فاز بها ذلك الصياد العجوز.. ولم يكن لي حينذاك أن أدرك المعنى العميق الكامن وراء مغامرة العجوز مع ذاته أولاً، ومن ثم مع البحر. وها أنا الآن أعيد اكتشاف المعنى.. لأجد أن المرء يحتاج الى مَنْ يؤمن به، وبإمكاناته حتى يذهب باتجاهها.‏

فذلك الصياد الهرِم الذي أنهكت جسده الأيام كان بحاجة لذاك الصبي الصغير الذي اقتنع بأن العجوز هو صياد ماهر، ولو جافاه الحظ في التقاط أي سمكة على مدى أيام طوال، وأن كبرياءه الذي لم ينكسر أمام كل من هم حوله ممن لم يؤمنوا بقدراته إنما سببه إيمانه بذاته، وأنه قادر على أن يخرج بمفرده في مغامرة بحرية شاقة يعود منها بصيد ثمين. وحتى عندما التهمت أسماك القرش غنيمة الصياد ليعود من دونها بعد أن خسرها فقد ظل يحمل حلمه الكبير بفوز أكيد.‏

يقال إن الألم يصهر الإنسان كما تصهر النار المعدن لتظهر بريقه.. بل إنه حافز حقيقي لإطلاق الطاقات الكامنة، ولطالما ارتبط الإبداع بالألم الكبير الذي غالباً ما يكون سبباً في ولادته.. وهو العنصر المشترك بين أكثر المبدعين ممن لمعت اسماؤهم في سماء الفن، والأدب، والعلم.‏

أحيانا يكون تحقيق الأحلام العريضة نقمة علينا.. تورثنا الألم، والندم على أننا وضعناها على قمة أحلامنا.. وإذا ما جاء ما يقتنص ذلك الحلم الكبير فإن الصراع لا يعود من أجل البقاء، وإنما من أجل الحفاظ على الكبرياء، وعلى الأمل الكبير.‏

هكذا الحال عندما تخيب الأحلام.. إلا أنه على كبرياء الحلم ألا ينكسر.. وما الفوز الحقيقي إلا فوز التفوق على الذات.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 239
القراءات: 431
القراءات: 218
القراءات: 272
القراءات: 335
القراءات: 346
القراءات: 317
القراءات: 428
القراءات: 364
القراءات: 442
القراءات: 502
القراءات: 483
القراءات: 564
القراءات: 555
القراءات: 551
القراءات: 628
القراءات: 681
القراءات: 634
القراءات: 737
القراءات: 777
القراءات: 758
القراءات: 713
القراءات: 757
القراءات: 830
القراءات: 857

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية