تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


وقد تكلم..؟!

معاً على الطريق
الجمعة 10-11-2017
ديب علي حسن

الصمت بلاغة, وأي بلاغة أروع من أن تكون قادراً على الصمت في مهرجان الهذيان والثرثرة ومطولات الهذر ممن يعرف أو لايعرف, ما هو حق وليس بحق, أي بلاغة أصعب وأقسى على المرء من أن يسمع كل ساعة أفانين النفاق, ولا يمكنه أن يقول كلمة ما,

أليست بلاغة الصمت هنا قدرة على الضبط والصبر والاحتمال, وقديما قالوا: إذا كان الكلام من فضة, فالسكوت من ذهب, أظنه مثلاً غربياً ولكن ما الضير أن نستعيره هنا, ونحن المشهورون بالاستعارات, فالتشبيه ومن بعده الاستعارة, وفنون أخرى ضروب بلاغية, غزت الثقافة العربية حتى حل الكلام البلاغي محل الفعل بكل شيء, وصرنا مجرد كائنات حكواتية, تبيع كلاماً لتشتري به صمتاً, وكلما اقترب موعد الوعد جددت البيع بكلام ووعود جديدة.‏

تكلم لأراك, هكذا خاطب فيلسوف غربي أحدهم, ولا أدري إن كان تكلم, وهل رآه الفيلسوف, وما النتيجة التي خرج بها, صحيح أني لست فيلسوفاً, لكني ذات يوم, وكنت عائداً من دمشق منتصف ثمانينات القرن الماضي, وقد حظيت بمقعد مريح (بالهوب هوب) جاء مقعدي قرب رجل كلما تذكرته, أتهيبه بعد مرور ما مضى من الزمن, من كراجات العباسيين, رجل طويل, وعريض المنكبين, لباس يدل على هيبة,علائم النعمة كلها تدل على أنه........‏

حشرت نفسي قربه, بل تكومت صامتاً, لا جميلات قربي أراقبهن على خوفي منهن, لاشيء إلا أن أخرج كتاباً أو مجلة من الحقيبة التي حشرت تحت قدمي, ضاقت مساحة الصمت بيننا, وهيبته تزداد, يرمقني بطرف عينه, لاشيء يدل على أنه يشعر بوجودي, يغذ الباص السير, والمسافة لا تقصر, ربما على حرارة الصيف زاد طول الطريق........‏

في الساعة الخامسة من السفر و السادسة عصراً, قرب نبع السن , حيث التقاطع الأخطر بطريق اللاذقية\ دمشق, لم يكن الاتوستراد قد نفذ, تحرك الرجل الهيبة, تنحنح, مدّ يده إلى علبة تحت المقعد, ياللهول! إنه يتحرك, مزق الغلاف برعونة, فتح العلبة, ومدها نحوي: (كول قطعة برازق, لا , شكراً لك, لا أحبه, كانت شفتاي تتلمظان لها, لكن هيبته حالت دون ذلك ........ كول, طيب, تناولت واحدة, أردفني بالثانية, وأقحم بفمه ثلاث قطع دفعة واحدة, وبصوت يجرش: عندما أصل سوف يأكلونها كلها, ولن يتركوا لي قطعة واحدة .....!).‏

ويْحي! ماذا , أحقاً , هذا الذي جعلني متكوراً بهيبة خلبية لمدة ست ساعات, أهذا هو تحت الجعبة, تحت الطقم , وربطة العنق , ليته لم يتحدث, لماذا أنكسر بعد ست ساعات, كيف لم يبق محافظاً على صمته, على شيء من خوف يخالجني مما أرى؟‏

أسئلة كثيرة, كنت أتمنى ألا أطرحها على نفسي حينذاك, لكنه فعل بما قاله بعد صمت, أحقاً صمت دهراً ونطق هراءً؟‏

لا أدري , ولا أريد أن أعرف, كل ما أعرفه أن الكثيرين وعلى مستويات عالية في مجالات شتى إذا ما لاذوا بالصمت يوفرون على أنفسهم عناء السقوط المريع, صمتهم خير من كلام لا معنى له, وليس إلا رمالاً تسفوها الريح لتستقر بالعيون شهادة على أنَّ الكثيرين ليسوا إلا لباساً جميلاً, لا القول ينفع, ولا الفعل, ونامي جياع الشعب نامي على وعود بعض من لا يعرف أن الوعد يجب أن ينفذ, وإذا ما أعاقه أحد فسيف القانون يجب أن يكون مسلطاً على الرؤوس, بالحق لا بغيره, ونحن دولة فعل وقول واجهت أعتى قوى العدوان, ولايقف بوجهها بضعة... عندما تريد أن تفعل..... وبعد كل هذا: الصمت بلاغة في محراب الوطن.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 155
القراءات: 222
القراءات: 296
القراءات: 338
القراءات: 443
القراءات: 503
القراءات: 527
القراءات: 700
القراءات: 964
القراءات: 1006
القراءات: 960
القراءات: 1147
القراءات: 1075
القراءات: 1292
القراءات: 1202
القراءات: 1604
القراءات: 1584
القراءات: 1642
القراءات: 1635
القراءات: 1745
القراءات: 1750
القراءات: 1923
القراءات: 1796
القراءات: 2056
القراءات: 2040

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية