تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


سمك منتصف الليل

معاً على الطريق
الجمعة 1-12-2017
ديب علي حسن

لليل في تراثنا العربي الكثير من القصص والحكايا، فهو عند الأقدمين يخفي في بحره ما لايُعلم ، وامرؤ القيس يراه بحرا لايغادر ، شدت ساعاته بحبال إلى نجوم السماء ، نعم هو ثوب الستر وأبعد من ذلك و ليل العشاق والمسافرين،

والمرضى و ليل كل واحد منا , وربما يحق لنا أن نقول :كل منا يغني على ليله وليس ليلاه ، وإن وجدت ليلى فليغنها كما يحلو له ، والقول كلام الليل يمحوه النهار ، على ما يبدو صحيح ، كل الصحة ، ليلنا غير نهارنا ، ازدواجية المعايير التي ربما تصل إلى حد الفصام والمرض .‏

بعضنا نقي شفاف و سهل المراس و يظنه الآخرون وليا من الأولياء ، ولكن له عوالمه التي يخفيها ليل اهوج وكأني بالشاعر ابراهيم ناجي كان يختزل المعادلة حين قال :‏

دوارة أبد السنين كعهدها من ليل آثام لصبح متاب‏

تغلو الحياة بها إلى أن تنتهي عند التراب رخيصة كتراب‏

ذكرني هذا بالمأساة التي نعيشها ، بعضها من صنع الكبت الذي نمارسه ، من الازدواجية التي أودت بنا الى الكثير من المهالك ، لكل منا حكاية مع ذلك و عنده ما يقوله ليلا ويتنصل منه نهارا و ما يفعله ويغسل يديه منه , قد يكون أمرا عابرا لامعنى له , وهو ليس خارج العرف ولا التقاليد ولا يسيء لاحد , بل يدخل في باب الحريات الشخصية وربما الرغبات العادية .‏

وفي مرويات ليالي الرقة التي تختلف عن النهار اختلافا جذريا , ما شدني إلى العالم الذي يبدأ بعد منتصف الليل و صيفا لا شتاء, مستضيفي مدرس ( ....) عذب اللسان رجل من النبل والعطاء ,لكنه لايجرؤ على ( كرع كأس بيرة واحد) العادات والتقاليد تمنع ذلك , يتوق أن يفعل ذلك , لكن لليل عيونه , له من ينشر الخبر بأسرع من مونت كارلو حينذاك و لكنه التوق إلى برودة ما في ليل قائظ .‏

يسالني بخجل : هل تشرب بيرة ؟ نعم , ولم لا اشربها و لكن ليس لديكم هنا بيرة في الرقة يتردد قليلا , وبعد لحظة صمت بدت كأنها دهر من قال لك ذلك ؟‏

انا سالت وكاد من سالته يقتلني ( أعوذ بالله , منكر , منكر ) يبتسم الرجل , ويردف قائلا : الليلة سنشرب بيرة ونأكل سمكا , يفتر الوجه , لا أسأله عن المكان و لا الزمان فلي ثقة انه سينفذ ما وعد به , بعد الثانية عشرة ليلا نتسلل خلسة إلى جسر الرقة القديم , نسيمات ترد الروح وتستحضر محمد الفراتي وقوله :‏

ذاك نهر الفرات فاحب القصيدا‏

من جلال الخلود معنى فريدا‏

ذاك نهر الفرات ما إن له ند على الأرض إن طلبت نديدا‏

باسماً للحياة عن سلسبيل كلما ذقته طلبت المزيدا‏

رجل في مقتبل العمر , يرحب بنا , المكان يضج بمن تعرف ومن لاتعرف وثمة تواطؤ جميل أن من يعرفك وتعرفه و لايراك ولا تراه , لايخبر عنك , ولاتخبر عنه , يجمعكم كأس من البيرة إن شئت أو ما هو اكثر قدرة على اللعب بخبايا النفس والسمك الذي يصطاده المعنيون بالأمر مباشرة وأمام ناظريك و كل شيء تراه يصنع باللحظة , لتبدأ رحلة ليل وحكايا تنتهي قبيل الفجر بساعة , مسافة الطريق التي تعيدك إلى منزلك إلى صحوك , وإلى لباس شخصيتك التي ترتديها نهارا , تكاد تقول للطيور : اشربي من كفي , وابني اوكارك على قلة رأسي فلست من يزعجك , تعيش ليل الرقة وتخلع ثوب النهار , وتكتشف فيما بعد ان لكل مدينة و لكل منا اثوابا عدة و قد يبدلها قبل الليل , في النهار و يتلون بها حسب الحاجة ,وليس من قول يصح فينا إلا ما قاله ذاك الطفل الصغير: الامبراطور عار , عار!!! ( اقتدوا بأقوالنا ,لا أفعالنا ).‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 90
القراءات: 171
القراءات: 173
القراءات: 253
القراءات: 734
القراءات: 193
القراءات: 253
القراءات: 229
القراءات: 308
القراءات: 255
القراءات: 302
القراءات: 303
القراءات: 454
القراءات: 381
القراءات: 495
القراءات: 528
القراءات: 604
القراءات: 679
القراءات: 812
القراءات: 4465
القراءات: 670
القراءات: 976
القراءات: 1065
القراءات: 1084
القراءات: 1230

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية