تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« قمر دمشق »

إضاءات
الجمعة 1-12-2017
لينـا كيــلاني

قريبي ذلك الشاب المتفتح للحياة صاحب العينين الصافيتين بلون السماء يدعوني لزيارة الى حيث يأخذني الحنين.. يقول لي: تعالي الى دمشق القديمة.. نمشي في أزقتها.. ونتنفس عبير أصالتها. وأذهب مع رفيقي.. وأسمع وقع خطونا فوق الحجارة السوداء، وتنبع من بينها ألوف الخطوات الصامتة لكل من مر من هنا وبقي المكان مشعاً في ذاكرته.. فمَنْ يستطيع أن ينسى دمشق إذا ما سكنها، أو حتى عبر بها.

أقول له: أريد أن أسير باتجاه حي العمارة والنوفرة لأتنفس عبير أمي الذي ما زال عالقاً فيها. فيشد رفيق رحلتي على يدي أن لا تفعلي حتى لا تؤلم الذكرى.. ولكني لا أسمع إلا همس المكان يناديني أن تعالي.. تعالي لتري كيف أن دمشق رغم جراحها ظلت دمشق، ولم تغير وجهها.. وتاريخ أصالتها كأقدم عاصمة مأهولة ما زالت بيوتها وحاراتها تتحدث عنها. وأتجه نحو زقاق ضيق يكاد المرء لا يعبر منه دون أن تلمسه جدرانه وكأنها يد حانية لمن يقول لك أنت في أمان وسلام ما دمت تتغلغل في شرايين هذا المكان.. ويناديني باب خشبي عريض تحمل شقوقه قصص مَنْ مروا من هنا فأندفع بلهفة نحوه لعله إذ ينفتح لي أرى من ورائه (قمر) أمي.. تلك الدمشقية التي سكنتها مدينتها.. ولعله هذا هو بيت جدها حيث ولدت، وحيث عاشت طفولتها، وشبابها الأول.. وإذ أجد الباب موارباً أدفعه قليلاً فأطل على باحته الفسيحة التي تفوح منها رائحة أشجار النارنج، وشجيرات الياسمين.. والبحرة المميزة للبيت الدمشقي تتوسطه وماؤها يتدفق بهدوء. أنسحب للوراء عائدة، وأغلق الباب باطمئنان.. إذاً فما زالت البيوت الدمشقية صلبة كما هي لم يتغير فيها ايقاع ماء الحياة في تدفقه وجريانه.‏

أقول لرفيقي: أريد أن أعبر من باب المسجد الأموي لأصل الى حيث المكتبة الظاهرية تلك التي كانت مكتبة بلاد الشام. وأمام بنائها أقف لأنظر الى بناينها الذي لا يزال يقف شامخاً وسط حارات دمشق القديمة ليحكي كل حجر فيه آلاف القصص عن نفائس الكتب، والمخطوطات، والمراجع التي ضمتها جدران المكتبة لعقود وعقود من الزمان.. وكأني أرى طلاب جامعة دمشق في فترة الخمسينيات وهم يدخلون اليها لينهلوا المعرفة من كنوز كتبها النادرة.. وكثيراً ما حدثتني أمي عن مغامرتها الفكرية الأولى وعن رحلتها مع الكتب، وعن المكتبة الظاهرية التي كادت لا تفارقها أثناء دراستها الجامعية في كلية الآداب قسم اللغة العربية، وعن ألق الظاهرية في تلك الفترة الذهبية من تاريخ المدينة، وقد أنبتت من أبنائها أعلاماً صاروا رموزاً لدمشق. وأنسحب نحو دكان متواضعة لبيع الزهور.. وأخرج منها وأنا أحمل ست وردات دمشقية بيضاء أضمها الى صدري مع الدمع، ثم أنثرها في درب ست سنوات مضت من عمر غياب أمي سيدة النقاء.‏

ثم أعود.. وطيف (قمر) ياسمينة دمشق يتبعني.. وإذ أصل الى حيث بيتي في الأحياء الجديدة من المدينة المعتقة عبر الدهور أسير في شارع عريض تتهامس فيه رؤوس الأشجار، وهي تكاد تتلامس كقوس النصر الذي يسكن قلب دمشق القديمة.. يقول لي رفيقي: لم يشذبوا أشجار شارعنا هذا العام بل تركوها تنمو وتزدهر. فأقول: ليدعوها تزدهر فالأخضر رمز الحياة، والشجرة رمز التجدد والاستمرار. أنظر الى الورق الأصفر المتساقط منها، وأرفع رأسي نحو قممها فينبع رف من حمائم رمادية تدهشني أعدادها.. فالحمائم لم تعتد أن تسكن هنا، فما الذي جاء بها في هذا الخريف؟.. هل غادرت صحن الجامع الأموي لتغزو شارعنا؟.. أم أنه حمام زاجل جاء الى أحياء دمشق ليحمل رسالتة.. رسالة السلام والأمان الى القادم القريب من الأيام؟‏

نهار دمشقي.. من يوم خريفي.. سرت فيه في طريق مستقيمة تصل الماضي بالحاضر.. وروح المكان مع أرواح من غادروا كأنما تقول لي: حضورنا مازال عالقاً بأهدابكم.. وذكرانا لا تزال نابضة في قلوبكم.. ولتتحول لآلئ الدموع الى شموس وأقمار تنثر الأمل مع الضياء.‏

فسلام الى روح أمي في يوم ذكرى رحيلها السادسة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 162
القراءات: 180
القراءات: 257
القراءات: 321
القراءات: 333
القراءات: 385
القراءات: 424
القراءات: 412
القراءات: 380
القراءات: 394
القراءات: 456
القراءات: 497
القراءات: 477
القراءات: 547
القراءات: 576
القراءات: 621
القراءات: 185
القراءات: 871
القراءات: 932
القراءات: 1138
القراءات: 1171
القراءات: 1357
القراءات: 1502
القراءات: 1467
القراءات: 1534

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية