تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« علاقات هشة.. لكنها مدهشة »

إضاءات
الجمعة 29-9-2017
لينـا كيــلاني

إنها رحلة المليارين.. أي ربع سكان العالم الذين أبحروا معاً في مركب أزرق واحد.. وصاحب المركب، مبتكر موقع التواصل الأشهر (الفيس بوك)، ينشر خارطته الأحدث.. خارطة زرقاء تتغلغل خطوطها مخترقة كل قارات الأرض.. وهي تعد بمزيد من الاتساع والانتشار.. وتشابك العلاقات تحت شعار:

«العالم الآن أكثر بريقاً».. فهل هو أصبح كذلك فعلاً؟.. والإبحار في الأزرق يأخذنا بعيداً ونحن نرسم أنفسنا في هذا الفضاء الدخاني بالصورة الأفضل، والأمثل، وربما الأجرأ.‏

ترى هل أصبح أحدنا يتشبث بتلك العلاقات الهشة التي ننسجها عبر شبكة التواصل الاجتماعي مع أناس لا نعرف عنهم أكثر من صورة إن وجدت، وبعض التعريفات التي يقدمون بها أنفسهم، وما يضعونه على صفحاتهم وقد لا يعبر بالضرورة عن حقيقتهم.. أم أننا نسعى من وراء ذلك الى الحصول على علاقات حقيقية فيها نبض من حياة إذا ما تم التعارف المباشر بعد التعارف الافتراضي؟.. إنه السؤال المحير الذي ما عدنا نستطيع الإجابة عليه بدقة.. بل الأولى بعلماء النفس والاجتماع التصدي للإجابة عليه.. فالتفاصيل كثيرة، والنفس الإنسانية لا يمكن التنبؤ بسلوكها كاملاً.. وهذا ما يشكل تحدياً أمام العالِم، والباحث لرصد أبعاد هذا التطور الذي طرأ على شبكة العلاقات الاجتماعية عموماً.. بعد أن تقاطعت دوائر هذه العلاقات بين أرقام مهولة من البشر حتى ليخال المرء أن كل فرد على وجه الأرض لابد وأنه في وقت ما سينضم الى هذه المنظومة العالمية التي غدت تجمع الناس في دائرة واحدة تشكلت من عدد لا متناه من الدوائر الأصغر.. بينما يتهم بعضهم هذه الشبكات الاجتماعية بأنها أصبحت سبباً حقيقياً لإفساد العلاقات الأصلية والحقيقية لمصلحة الأخرى الوهمية، وأهمها الصلات العائلية، وتتهددها ساعات مهدورة على صفحات الافتراض وكانت قبل هذا من حق الترابط الأسري، والود الاجتماعي بين أهـــــــل، وجيران، أصحـــــــاب، وزملاء.‏

وحيز الإغراء في صداقة افتراضية على صفحتها ما يشبع الفضول من صور، وأفلام، وكلمات، وتعليقات، وأفكار، وإعجابات هو أكبر من مقاومتها لمصلحة زيارة تقليدية لصديق، أو قريب.. ونحن ننتشي بالأعداد المتزايدة لصداقاتنا الافتراضية دون أن نسأل أنفسنا: هل تقاس الصداقات، والعلاقات الاجتماعية بأعدادها، أم بعمقها ومغزاها؟ وما بالنا بعلاقات تمتد أفقياً دون عمق يؤصلها.. لكنها تظل مستساغة عند أغلب الأفراد، وخاصة عند من هم في مرحلة اليفاعة أو الشباب، وذلك لتعددها، وتنوعها، ومساحة الاختيار فيها، وحرية رفضها أو قبولها في أي وقت، إضافة الى التجرد من المسؤولية حيالها وهو الأهم في مثل هذه العلاقات.. فصاحبها يستطيع في أي وقت شاء، ودون أي عناء، وبلا أي تبرير أو عتاب أن يغلق باب هذه الصداقة والى الأبد بكبسة زر، بل بنقرة صغيرة لا تكلف صاحبها شيئاً.. مما لا يتحقق في الحياة الواقعية بهذه البساطة والسهولة إذا ما وقعت الوقيعة بين الأصدقـــاء، أو الأقرباء.‏

إذن فتلك العلاقات قد كرست لفكرة الهزيمة أكثر مما حققت فكرة الانتصار، وكرست لفكرة السطحية في التعارف أكثر مما دفعت الى عمق العلاقات أو تأصيلها.. والأدهى من ذلك كله هو ذيوع الأخبار، وانتشارها وهي تنال مما هو شخصي أكثر مما هو عام. فقصصنا حتى داخل جدران بيوتنا أصبحت مفضوحة ومعروفة، وما عاد هناك من سر نكتمه، أو خبر نوفره.. ونحن نفاخر برصيد اجتماعي لا برصيد بنكي.‏

وغالباً ما تكون الصفحات الاجتماعية مفتوحة للعامة وليست للخاصة من الأصدقاء، أو ممن نعرفهم، وهنا يكون المجال أوسع وأرحب لكل زائر جديد قد يصبح صديقاً، أو يظل متابعاً غريباً. قفص كبير يدع بابه مفتوحاً لتدخل اليه كل العصافير.. والعصافير المبتهجة بالدخول حيث تجد أقراناً لها لن تدرك أنها إنما تتحرك داخل قفص لا في فضاء حر.. وحالنا هو حال هذه العصافير المبتهجة بالبريق المذهب لأغصان القفص.‏

قوة اجتماعية تشكلت حديثاً كرأسمال بشري قابل للاستثمار في مجال التعاون بين الأفراد.. فهل هذه القوة قادرة على تغيير واقع مجتمعي قائم؟ وليس بالضرورة أن يكون هذا التغيير الى الأسوأ بل ربما جاء خلافاً لكل التوقعات نظراً لهذا التمازج الثقافي الذي يفرد ثوبه المزركش بكل ألوان الطيف على مساحة المجتمعات والصداقات.‏

علاقات غير مسبوقة ولا مشبوهة.. هشة لكنها مدهشة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 14
القراءات: 382
القراءات: 186
القراءات: 237
القراءات: 305
القراءات: 317
القراءات: 292
القراءات: 399
القراءات: 336
القراءات: 413
القراءات: 473
القراءات: 454
القراءات: 536
القراءات: 527
القراءات: 523
القراءات: 598
القراءات: 652
القراءات: 611
القراءات: 707
القراءات: 745
القراءات: 729
القراءات: 689
القراءات: 730
القراءات: 798
القراءات: 828
القراءات: 803

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية