تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« ثقافة.. أم إغراء؟ »

إضاءات
الجمعة 11-8-2017
لينـا كيــلاني

بعد أن تراجع دور الثقافة عموماً في العقود الأخيرة لصالح التكنولوجيا، وعزوف أغلب الناس عن القراءة، والمطالعة كان لابد من الوقوف على هذه الظاهرة التي تتنامى ولا تخفت. فالقراءة لم تعد تغري كما كانت تفعل بعد أن ازدهرت وسائل أخرى أساسها الصورة، والكلمة المسموعة. أما قنوات المعرفة فقد تنوعت، ولم تعد تقتصر على الكلمة المكتوبة، عندما ازدهرت الفضائيات، وتجاوزت أعدادها المئات لتصل الى الآلاف، وتشابكت أفرع شبكة المعلومات بكل صنوف المعارف.

لقد حلت الأقنية الفضائية، ومواقع اللهو الإلكترونية مكان الكتاب بعد منافسة كبيرة لم تنته لصالحه. ولهذا كثرت المبادرات، والمسابقات، والحوافز مع الجوائز على أنواعها للعودة الى الكتاب.. هذا الكنز الثمين الذي لا ينضب على مر السنين كوعاء حقيقي للمعرفة.. وكمصدر أساسي من مصادر نقل الثقافة، والحضارة.‏

وكم وكم من ذخائر العلم والفكر وصلتنا عبر قرون ودهور من خلال ما خُط، وطبع. إلا أن عصر تدفق المعلومات جعل المرء يكتفي بما يعثر عليه من معلومة سريعة، وسطحية دون أن يشعر بالحاجة للعودة الى كتاب يستوفي تلك المعلومة، انطلاقاً من فكرة أن تعرف شيئاً عن كل شيء. وبالمقابل فقد كنا فيما مضى نفاخر أن المطالعة هي من هواياتنا الأبرز، وأنها التسلية الأمتع، وأن لا شيء يضاهيها.. وها نحن الآن نقوم بمبادرات التشجيع على القراءة لتكون المطالعة واحدة من مجمل هوايات دون أن تتصدرها رغم ما توفره الشبكة العنكبوتية من علوم، ومعارف.‏

كانت الجوائز الأدبية والعلمية متواضعة في أرقامها، وحضورها مقارنة مع ما يأخذ حيزه الآن.. ولعل هذا دليل على ما أصاب هاتين الساحتين لدينا، أي الأدبية والعلمية من تراجع استدعى معه كثيراً من إغراءات الفوز المشفوع بالمنافسة من خلال مبادرات تسعى جاهدة لاستقطاب القارئ من جديد وفق كل جديد.‏

وها هي واحدة من تلك المبادرات الهادفة الى تنشيط القراءة تطلقها إحدى المؤسسات بالتعاون مع جامعة القاهرة، وترصد مكافآت مالية مغرية لكل من يشتري كتاباً، ويكتب عنه ملخصاً يستعرض فيه أهم ما ورد فيه، ويضمنه رأيه الخاص حيال ما قرأ، وموقفه منه. والمبادرة هذه التي تأتي على شكل مسابقة تعلن أنها تهدف الى لتشجيع القراءة عبر محفزات مادية.‏

وأجد نفسي تستنفزني عبارة (محفزات مادية)، والتكريس للمقابل.. وهل من سيقرأ من أجل المال سيستجيب لمضمون ما قرأه؟.. فإذا كانت الفكرة مقبولة فإن المبدأ غير صحيح.. إذ متى كانت القراءة هي لقاء مقابل مادي، وليست بدافع ذاتي للبحث والمعرفة؟.. بل إن هذا أشبه بمن يقول لك: تحل بالأخلاق الكريمة لتنل مكافأتك. فالثقافة هي ضرورة، وهي لزام وليست ترفاً، ولا هي إضافة تستحق مقابلاً.. وما بالنا إذا كان المقابل مادياً!.. إن الشخص الموهوب لا تكفي له موهبته ليخرج بها الى العلن ما لم يدعمها على الأقل بالثقافة، والاطلاع في مجالها إن لم نقل الدراسة.‏

وإذا أصبح الحافز المادي هو الغاية والمقصد، والكتاب هو وسيلته، فهل ستنطوي الحصيلة من قراءته على مردودها الحقيقي؟.. ربما تحقق ذلك.. لكن الأمر ينفتح على احتمالات أخرى، منها أن يكون الأثر المادي أكبر من التأثير أو المردود المعنوي.‏

صحيح أن المسابقات الأدبية، والجوائز تقوم على أساس المكافآت المادية، والتقديرية، وخلق روح التنافس.. لكن الأمر هنا يختلف لأن الجائزة المسابقة هي لمن أراد، وأنتج، واختار أن يخوض التجربة، بعد أن تحمس لها. في حين أن المعرفة هي شرط من شروط التقدم، والتطور في عصر لم يعد فيه مكان للأمية الثقافية بعد أن تجاوز مرحلة الأمية الأبجدية، ولو أنها لا تزال حاضرة في بعض المجتمعات بنسب تقل ولا تزداد بفضل إلزامية التعليم.‏

والحلول المجدية في الدعوة الى القراءة والتشجيع عليها لا تقوم على مبدأ المقايضة بقدر ما تقوم على تغيير ثقافة مجتمعية تكون بديلاً عن طرح إغراءات مادية.. كما تكون بطرح كتاب جيد يستوفي شروطه التي تجذب إليه قارئه دون مبادرات ولا مسابقات، وخاصة كتب الأطفال واليافعين، وأن يكون هذا الكتاب حاضراً بوفرة فوق أرفف مكتبات المدارس، والمكتبات العامة، وبأسعار زهيدة لمن يرغب أن يقتني كتاباً. ليس هذا فقط بل إن منظومة التعليم مطالبة بتأصيل مفهوم القراءة في القسم العملي من مناهجها، وربما أفردت للقراءات علامات، سواء في المدارس، أم في الجامعات.. كذلك لا يجوز إغفال دور الأسرة في إثراء فكر الأبناء، وإغناء تجربتهم الحياتية من خلال الكتاب، وخلق مناخ يحفز على الارتباط بفكرة القراءة والمطالعة ولو كانت مشفوعة بمكافآت من الآباء والأمهات.. مكافآت هي ليست في هذه الحال تكريساً لمبدأ: إفعل هذا لتنل ذاك.‏

إن التشجيع على القراءة الحرة يتيح استثمار الكتاب في إيصال المعرفة، وفي الإجابة على أسئلة حائرة قد يبحث عنها من يبحث في غير مواقعها. أما أولئك الذين انضموا الى مثل هذه المبادرات التي اختارت لهم عناوين القراءات فإنهم قد لا يتحولوا الى قراء بمجرد أنهم خاضوا سبقاً، وحققوا فوزاً، وحصّلوا مالاً.. فالقراءة عادة، واقتناع قبل أي اعتبار، وثقافة مجتمعية تؤصل لها الأسرة، كما المدرسة، والجامعة.‏

وإذا كانت الأجيال الجديدة لم تعد مهتمة بالمعرفة فعليها أن تدرك أن المعرفة هي جزء من تكويننا كبشر، وإن الفن والأدب قادران على تغيير العالم، وأنهما وجدا منذ الإنسان الأول الذي عبر عن الفن برسوم بدائية على جدران كهوفه، ونقل مشافهة ما جاد به خياله من أساطير وحكايات.. وأننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة من التطور ستتجاوز الأجهزة الذكية الى الأجهزة الأكثر ذكاءً.‏

مبادرات، ومكافآت.. سواء كانت على هذا الجانب أم ذاك.. فإنها تظل خطوة نحو تشجيع القراءة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 162
القراءات: 180
القراءات: 257
القراءات: 321
القراءات: 333
القراءات: 385
القراءات: 424
القراءات: 412
القراءات: 380
القراءات: 394
القراءات: 456
القراءات: 497
القراءات: 477
القراءات: 548
القراءات: 576
القراءات: 621
القراءات: 185
القراءات: 872
القراءات: 932
القراءات: 1138
القراءات: 1171
القراءات: 1357
القراءات: 1502
القراءات: 1468
القراءات: 1534

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية