تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


أوروبا بين الجور والشفقة..!!

الافتتاحية
الثلاثاء 29-11-2016
بقلم رئيس التحرير: علي قاسم

تصلح الشفقة لتكون عنواناً، لكن لا يمكن أن تقدم تفسيراً يرقى إلى فهم أو تفهم أوروبا وهي توغل في جورها، بل وتبالغ في المقاربات التي تبنيها على هذا الجور، بدءاً من استخدام سطوة القوة المزعومة والمتحركة في أغلبها خارج سياقها،

مروراً بفائض الرغبة في استعادة هيمنة ضائعة وقوة مفقودة، وحضور يتآكل، ونفوذ يتبدد، وليس انتهاءً بمحاولتها اليائسة والمتواصلة لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف، والزمن إلى الوراء، وهي أكثر تشبثاً بكهوف أطماعها التي باتت من حقب الزمن البائد.‏

المعضلة أن أوروبا كلما ضعفت أكثر وتهمش حضورها أبدت مزيداً من التغول في جورها ومزيداً من الغوص في قاع آسن، لم تعد البشرية بمقدورها أن تستعيد فصوله الظلامية، وهي تشهر سلاح العقوبات أو المقاطعة وصولاً إلى المنع والحجب والإلغاء في مشهد يصعب على العقل البشري أن يوجد ما يبرره، وهذا هو حال ما تبقى من العقل الأوروبي الذي يضيف تساؤلاته المريرة والمندهشة إلى سيل جارف من الأسئلة المؤجلة عن سوية النخبة السياسية الأوروبية التي تتحكم بصنع القرار.‏

من العقوبات المهزلة ضد وسائل الإعلام الروسية إلى معاقبة السوريين شعباً ومسؤولين، تمتد ألسنة الجور الأوروبي من دون توقف، وتتحرك أذرع حقدها ضد الشعوب والدول، وتبدي بين هذه وتلك المزيد من فصول الفجور السياسي، وهي تقدم أعذاراً تتقدم على الذنب نفسه بمسافات طويلة، وتميط اللثام عن وجه أوروبي أشد قبحاً من سائر الوجوه التي اعتادت أوروبا تقمصها في كل حقبة تاريخية يتراجع فيها حضورها ووجودها السياسي، وتصبح العقوبات عكازاً مهترئاً ومتهالكاً يعبِّر عن وهن سياسي واقتصادي لم يسبق للقارة العجوز أن وصلت إليه يوما.‏

في المبدأ .. يبدو أن أوروبا لا تواجه عجزاً مزمناً في السياسة بل بات عوزاً في العقل السياسي، الذي يكاد يكون عاماً وشاملاً لدى صانع القرار الأوروبي، وهو يلهث خلف أدوات باتت من العهود البائدة، وأثبتت تجارب التاريخ على أنها لم تحقق لأوروبا يوماً سوى الخصومة مع شعوب العالم، ولم تجنِ إلا كل ما ارتد وبالا على أوروبا قبل سواها، ووضعتها غالبا في سياق القارة الظالمة التي تبدي عداوة من دون مبرر، وتحت شعارات باتت أكثر مدعاة للمغالطة السياسية، وهي تغرف من سياقات نائية ومناقضة لأبسط الأعراف والقوانين الإنسانية والتعاطي مع الدول.‏

أما في الجوهر، فإن الشفقة التي تحدث عنها فرانسوا فيون مرشح يمين الوسط الفرنسي للانتخابات القادمة، لا تقتصر على الرئيس هولاند، ولا على حقبته، بل تنسحب على سائر الأفق الأوروبي وصانع القرار السياسي فيه، الذي يعاني من ترهل لم يسبق لأوروبا أن واجهته، ومن قصور في السياسة وقصر في الرؤية إلى الحد الذي يدعو فعلا إلى الشفقة على قارة كانت في يوم من الأيام تمثل جوهر القوة الإنسانية، ومركز القرار العالمي، وهي اليوم تلهث خلف موضع قدم في عربة المشهد الدولي وهي تدرك سلفاً أن كل المقاعد الاحتياطية التي حُجزت في الماضي لم يعد لها وجود في عالم اليوم.‏

في التفسيرات والتبريرات لن تستطيع “البروباغندا” الأوروبية الجائرة أن تقدم ما يضيف هنا أو يحذف هناك، ولا ما يمكن اعتماده كنص يوضح كل ما نشاهده من نكوص أوروبي لصورتها الذهنية لدى أغلب شعوب العالم، وإن كانت غير ذلك في وجدانه وتاريخه وذاكرته، ولم تتمكن كل ثرثرة سياسييها أن تفسر هذا الانحسار المريع في العقل الأوروبي والنظرة الدونية التي تريد أن تمليها على شعوب العالم قسراً، ولا أن توضح هذا التغول في الجور، وذاك الإمعان في خلق المزيد من جدران العزلة مع شعوب العالم ودوله، وهي تجرها جميعا إلى إبداء خصومتها إن لم يكن عداواتها، وهي ليست بحاجة لنكء جراح مثخنة من أوروبا وسجلها الاستعماري الأسود البغيض، وهي تجور على نفسها قبل الآخرين وتؤذي شعوبها كغيرها إن لم يكن أكثر.‏

الشفقة هنا لا تفي بالحاجة.. والجور الأوروبي يتواصل فصولاً مدوية، وتسجل أكاذيبه وذرائعه نوعاً من الاصطفاف المرير الذي يريد ان يعيد العالم إلى عهود بائدة رغم اليقين الأوروبي بأن هذه الأطماع كنسها الزمن إلى غير عودة، وأرذل العمر الذي يحضر في خيارات سياسييها الحاليين قد يفسر تلك الانعطافة المنتظرة، ولو كانت على أذرع اليمين- بوسطه أو متطرفيه- في مقاربات أوروبية تحمل ولو جزئياً بعض الواقعية، أو على الأقل تتعاطى معه ومع المشهد الدولي وفق موازين القوى.. الصاعد منها والهابط.‏

a.ka667@yahoo.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 علي قاسم
علي قاسم

القراءات: 230
القراءات: 1189
القراءات: 519
القراءات: 676
القراءات: 1365
القراءات: 1386
القراءات: 1198
القراءات: 1523
القراءات: 1626
القراءات: 1590
القراءات: 1671
القراءات: 1971
القراءات: 1840
القراءات: 1890
القراءات: 1944
القراءات: 2144
القراءات: 2326
القراءات: 2298
القراءات: 2176
القراءات: 2771
القراءات: 2835
القراءات: 2943
القراءات: 3279
القراءات: 3104
القراءات: 4343
القراءات: 3460

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية