تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


موسيقا من عمق التاريخ

إضاءات
الجمعة 29-6-2018
لينـا كيــلاني

في الحضارات القديمة كحضارة (إيبلا)، و(ماري)، و(أوغاريت) كنوز لا تحصى من الآثار، ليس آثار القصور، والمعابد، والمدن بهندساتها المعمارية الرائعة فقط بل الكنوز الأخرى من الرُقم،

والتحف الأثرية، والخطوط، والنقوش، هذه التي بذل العلماء من أجلها جهوداً كبيرة لفك رموزها، ومعرفة أسرارها، وخاصة أسرار اللغة، ومدلولات النقوش.‏

ولما كان العلماء قد عثروا على مخطوطات لآلات موسيقية، ووجدوا رسومها، ونقوشها فوق الأواني، والكؤوس، والتحف، وعلى الجدران كان من الطبيعي جداً استنتاج أنواع الآلات الموسيقية التي كانت تستخدم في ذلك الحين، وحتى شكلها تماماً أيضاً.‏

إن مظاهر الحضارة تدل على نوع هذه الحضارة إن كانت زراعية، أو تجارية، أو غير ذلك. وعندما تم العثور بمصادفة رائعة على إشارات موسيقية محفورة على (الرُقم الحجري) كان لا بد للعلماء، والباحثين من فهم رموز تلك الإشارات، بل أبعد من ذلك وهو تحويلها فيما بعد إلى أنغام موسيقية يمكن أن يسمعها الإنسان المعاصر سواء بالآلة الحديثة، أو بآلات تشبه تلك القديمة كالناي، أو القيثارة.‏

هذه المصادفة كانت هي المفتاح السحري الذي فك طلسماً أكثر إثارة، وغموضاً وهو تلك العلامات، والرموز التي كان يعثر عليها العلماء دون أن يتبينوا معناها. عند ذلك بذلت بعض المعاهد الموسيقية جهداً من أجل فكرة ترجمة تلك الإشارات الموسيقية. وسواء استطاعت الوصول إلى النوتة الحقيقية لهذه الرموز، أو إلى ما يشبهها، أو ما يعبر عنها فإن النتيجة كانت مدهشة.. وكان بين يدي المستمع سيمفونية جميلة استمدت بطريقة أو بأخرى من روح حضارة (إيبلا) لأن تلك الحضارة كانت تُعنى بالموسيقا عناية كبيرة سواء في المعابد، أو في مظاهر الحيــــــاة العادية، والبرهان على ذلك العثور على تماثيل لمغنية المعبد، أو لجوقات المنشدين.‏

وهكذا فإن الموسيقا التي وُضعت كانت من روح حضارة (أور) الموصولة بحضارة (ماري)، (وإيبلا). وليس من الصعب على متذوق الموسيقا أن يحس وهو يستمع إليها أنه يُقذف في عمق التاريخ، وأنه يُحمل على أجنحة الزمن إلى تلك الحقبة السحيقة ليندغم مع أحاسيس إنسان تلك المنطقة في تجليات حياته العادية، والدينية بآن معاً.‏

ومهما اختلف إيحاء هذه الموسيقا باختلاف الأفراد فإن قاسماً مشتركاً يجمع بينها لا لأن الآلات الموسيقية هي نفسها المستعملة قديماً، ولا لأن النوتة تُرجمت ترجمة دقيقة بل لأن الموسيقا نفسها تولد هذه الانطباعات، والمشاعر عن مختلف أوجه الحياة. فيحس الإنسان إذ يستمع إليها أنه على ضفاف النهرين العظيمين دجلة والفرات، أو هو ينطلق في المراعي والسهول الخصبة كما وصفتها ملحمة (جلجامش)، أو أنه يطل من بين صخور (أوغاريت)، وجبالها المتشعبة العالية على بحر الحضارات أي البحر المتوسط. وفي هذه الموسيقا فرصة أيضاً لنقله إلى أجواء المعابد الزاخرة بالآلهة، والمتشعبة بروائح البخور، وأنواع الطيوب، والمتفردة بأنواع العبادات المقدسة للآلهة مثل (عشتار) آلهة الحب، والخصب.‏

وليس غريباً أن تهزه هذه الموسيقا في أعماقـــــه فيرى كتائب الجيوش، ويسمع صليل السيوف، وصهيل الخيول، ووقع الأقدام السائرة فوق أرض كانت ملعباً لحضارات، وساحة لصراعات كثيرة.‏

هذه الموسيقا ما هي إلا ترجمة لمعالم حضارة ليس من خلال مظاهر هذه الحضارة وإنما من عمق الإنسان الذي صاغها، وعاش في ظلها، وترك آثارها إلى مدى آلاف الأعوام نعدها أربعة آلاف.‏

ويتبادر سؤال إلى الأذهان: ترى لماذا نجد شبيهاً لتلك الآلات الموسيقية موجودة في مناطقنا حتى الآن؟.. ولماذا أيضاً نجد روح هذه الأنغام ما زالت تتغلغل في الفلكلور الشعبي حتى وقتنا الحاضر؟ هل لأن الحضارة هي امتزاج بين الإنسان الطبيعة عبر الأجيال، أم لأن للفن صفة الخلود أكثر من المعمار؟.. هذا الخلـــــود الخفي الذي يتشبع به الناس دون أن يحسوا به، أو أن يعبروا عنه، بل هو يتسرب من خلال لاوعيهم الجمعي، وذاكرتهم الشعبية المتوالية عبر العصور.‏

على أي حال.. فإن موسيقا كهذه يقف عندها المستمع لأن فيها روح الانتماء إلى هذه الأرض وهذا التاريخ، وتلك الحضارات.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 41
القراءات: 177
القراءات: 235
القراءات: 245
القراءات: 299
القراءات: 308
القراءات: 315
القراءات: 384
القراءات: 440
القراءات: 430
القراءات: 512
القراءات: 542
القراءات: 530
القراءات: 496
القراءات: 521
القراءات: 582
القراءات: 613
القراءات: 594
القراءات: 684
القراءات: 708
القراءات: 741
القراءات: 318
القراءات: 1010
القراءات: 1057
القراءات: 1271
القراءات: 1290

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية