تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« سلاسل من نور ورماد »

إضاءات
الجمعة 16-2-2018
لينـا كيــلاني

النار التي تحرق هي النار التي تضيء.. وهي الشيء ذاته الذي ميز الإنسان عن باقي المخلوقات.. ذلك الكائن العاقل الذي اكتشفها في لحظة فارقة هي الأعظم من تاريخ وجوده على الأرض.. فتعرف إليها على أنها نعمة، وعرف بالتالي كيف يستخدمها..

فكانت أساساً لانبثاق حضارته بعد أن شكلت درعاً في حمايته من افتراس الضواري له عندما كان يسكن الغابة الفسيحة المتسعة باتساع الأرض.‏

أما النار التي هي النقمة فهي تلك التي منها الشيطان، وقد كان سبباً لهبوط آدم أبي البشر الى الأرض حسبما تقول الكتب السماوية.. هي النار التي طردتنا من الجنة، لكنها هي ذاتها التي حولت أرضنا الى جنة عندما حطم الإنسان أسوار أسرارها.. فلولا النار التي تحمي لما بقي الإنسان على وجه الأرض، ولولا النار المجسدة بالشيطان لما هبط اليها بالتالي.. أما رمزيتها في العقاب والتطهر فهي ماثلة دوماً في الأذهان، وهي مما أكدت عليه الأديان.. حتى إن قدماء الصينيين الذين ابتكروا الألعاب النارية وهي تستخدم اليوم للترفيه والمتعة في الاحتفالات كانوا يعتقدون أن استخدامها يطرد الأرواح الشريرة.. والأرواح الشريرة هي أصلاً من نار.‏

وها هي النار قد تحولت على مساحة مسيرة البشرية الى ثقافة بل الى ثقافات، فدخلت الى طعامنا عندما اكتشفنا كيف نطهو بواسطتها، والى نسيج أساطيرنا عندما وقف الكتّاب والفلاسفة عند محطاتها، والى أفكارنا عندما استنبطنا مخترعاتنا من استخداماتها، والى بعض الطقوس الدينية عندما أوقدنا شعلتها، والى تشكيل المعدن المصهور عندما شكله كل شعب حسب خصوصيته، والى وسائل المواصلات عندما سار أول قطارعلى الفحم الحجري المشتعل، والى صنع الأفران التي تنضج أرغفتنا وصولاً الى أفران الصهر، ومن ثم الى الفرن الذري الذي لم يعد بالإمكان إخماد شرارته، فإذا بنا نسيطر على كوكبنا بفضلها.. فبها هزمنا العتمة عندما أضاء الفكر الإنساني بمكتشفاته ومخترعاته.‏

وها هي الثورة الصناعية المتجددة على مر الأزمان من ألفية الى أخرى وقد خدمتها النار التي دخلت إليها من أوسع أبواب استخداماتها تدرجاً من نار مشتعلة الى أخرى مستعرة، ومن واحدة تدفئ الى أخرى تتفجر من الذرة.. فإذا بحرارة الأرض ترتفع لتسخن الأجواء، وما يتبع ذلك من تغيرات في المناخ، وفي مناسيب مياه البحار والمحيطات بفعل ذوبان ثلوج القطب.. إنها النار ذاتها مهما تعددت مهامها، ومهما تبدلت أسماؤها، وأوصافها، وألوانها وهي التي تتدرج من البيضاء المشعة الى الحمراء المتوهجة، وصولاً الى السوداء المستعرة منها.‏

لكن بالمقابل ورغم كل ما في اللهب المشتعل من انتصار للإنسان.. فإن في النار شر.. شر لا يكف عن الإعلان عن نفسه، وعن حضوره الصارخ في الحروب التي يقترفها البشر فلا يرحمون بعضهم بعضاً عندما يطلقوا نيران أدواتهم، وأسلحتهم الحربية في هذا الاتجاه أو ذاك، لهذا السبب أو لسواه.. وقد نسوا أنه كما الجحيم هو من نار فإن الشمس واهبة النور، ورمز الحياة هي منها أيضاً.‏

أما شجرة النار التي سقطت الى الأرض فإن فروعها ما زالت تمتد في كل اتجاه.. فما عدنا نوقد شمعة من أجل أن نبدد بها الظلام، ونقهر بضوئها دروب العتمة.. بل أصبحنا نوقد أفراناً من نيران، أو جحيم على الأرض لتلتهم كل ما تجده في طريقها.. ولتصبح المعرفة رماداً.. والفكر جمراً يكاد ينطفئ، ولا يتوهج عندما يوغل البشر في دروبهم المستعرة.‏

وبين المقدس من النار.. والمدنس منها.. على البشر أن يقفوا من جديد عند مفهوم جديد لها ينقذ، ولا يلسع.. وأن يحولوا نيرانهم الى سلاسل من نور لا من جمار تذوب لتصبح رماداً.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 41
القراءات: 177
القراءات: 235
القراءات: 245
القراءات: 299
القراءات: 308
القراءات: 315
القراءات: 384
القراءات: 440
القراءات: 430
القراءات: 512
القراءات: 542
القراءات: 530
القراءات: 496
القراءات: 521
القراءات: 582
القراءات: 613
القراءات: 595
القراءات: 684
القراءات: 708
القراءات: 741
القراءات: 318
القراءات: 1010
القراءات: 1058
القراءات: 1272
القراءات: 1291

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية