تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


حديث غيمة عابرة

معاً على الطريق
الجمعة 5-1-2018
ديب علي حسن

موحش هذا الزمن غريب، عجيب، لا تقف له على معنى، ولا تكاد تمسك طرف لحظة سانحة حتى تفر منك كأنها رمل متقد ، أو سراب يخاتلك، ولربما شوكة في شغاف القلب تصيبك فتدميك وتبكيك،

ويظل الدمع حبيس العين، تتحجر، تذوب، تفقأ، لا احد يعنيه الأمر غيرك، هو عصر الفردية بكل شيء، عصر ألا يسأل أحدعن أحد، ما باله ، ما حاله، ماذا فعلت به الأيام ، عصر أن تحز الرقاب بسكين مثلومة طالما كنت تعرف من يستلها، تعرفه من الياء إلى رجع الألف، تعرف كيف ومتى، وأيان صار ...‏

تعرف أنه لا الزمان موحش، ولا الأيام، إنما نحن الموحشون و المتوحشون ، الكاسرون ، وهل الزمن غيرنا نحن ؟ من قال إن ثمة زمنا من غير الإنسان ، حتى التاريخ الذي نعيش أسراه، لا معنى له لولا الأحقاد التي راكمها لنا، وأرادها الكثيرون تجارة ...‏

ولكن مع هذا كله : زمننا موحش ، فلا شتاؤه، ولاصيفه، ولاربيعه ، ولا كل ما فيه يحمل شيئاً من رائحة اسمه ومعناه، شتاء ممحل إلا من برده وصقيعه، تمتلىء السماء بالغيوم ، تتراكم ، ولا يهل المطر علينا ، أتراه لعنة السياب في أنشودة المطر ؟!‏

في شتائك ستجد شيئا من الصيف، والربيع والخريف، تداخل كل شيء بكل شيء، فلا هوية لمكان ولا لزمان، كما البشر رؤوس ملفوف تساوت، ثمة من يحصدها دفعة واحدة، وإن بدت رأس نافرة قليلاً أتت بعضاً من شيء مغاير فهي الغاية بالاقتلاع من الجذور، ليس قطفاً ...‏

اليوم على أرصفة التسكع بدمشق، كانت غيمة عابرة تداعب العابرين، هطلت بما رأت أنه كاف لتذكرنا أن الفصل الشتاء، لتقول بلغة السماء : ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ... لا أدري كيف قرأت حبات مطرها رسائل شوق لعناقنا، لكنها تاهت عن العنق الحاني ...وقض القلب سؤال : لمَ تاهت، ما الخطب ؟‏

أحقا نحن أبناء الزمن العاق ؟ أم نحن العاقون ؟ لم اشغل نفسي كثيراً بما حملته قطرات المطر الخجلى، لكني تذكرت أن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لست من أصحاب الغيبيات البتة، لكني موقن أن الفعل الإنساني الحقيقي يعني النبل الذي يعم على الجميع، وأكثر يقيناً أننا لسنا قريبين منه، بل كل ساعة نبتعد عنه، نغافله، نمثل عليه، نمثل على أنفسنا، لا نعرف كيف نكدس المزيد من نضار هو من لحمي ولحمك، دمي ودمك، كيف لو أستطاع البعض أن ينتزع قلب الآخر حياً لفعل ..!‏

غيمة عابرة كانت أبلغ رسائل اليوم أن الفصل شتاء معنى، لا حقيقة، برداً، لا مطرا، وأن كل ما تدكنه السماء من غيوم تدخره ليوم جديد و لشتاء يورق بعده ربيع، ومن ثم صيف ..أثق بذلك، كما أثق بفجر جندي سوري يقتحم الموت ولايهابه، ويعرف أن بعضاً من أبنائه بلا دفء، بلا دفاتر، بلا طعام ، وأن الكثيرين ممن يمثلون الشفقة على الشهداء توقفوا لأن (الكميرات )لا تكفي لمتابعتهم، هي مشغولة بمكان ما ...‏

أثق أن شتاءنا خصب هناك فوق اضرحة الشهداء، في الساحل وحلب ودير الزور ودرعا والقنيطرة، بكل بقعة معطرة بطهرهم، هناك خصب الشتاء، مطره، وعده، رعده و يهل ويهطل لينبت الأحمر القاني ويلون مواسم الربيع ...‏

أيتها الغيمة: يا أم المطرأثق انك على وقع خطا أبطالنا ونصر قائدنا تأتين وتنسكبين غيمة ماطرة، لا غمامة قاحلة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 112
القراءات: 152
القراءات: 152
القراءات: 169
القراءات: 161
القراءات: 216
القراءات: 253
القراءات: 227
القراءات: 306
القراءات: 267
القراءات: 324
القراءات: 226
القراءات: 393
القراءات: 364
القراءات: 399
القراءات: 261
القراءات: 465
القراءات: 635
القراءات: 509
القراءات: 541
القراءات: 415
القراءات: 568
القراءات: 512
القراءات: 613
القراءات: 506

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية