تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


أحقاد البائسين

معاً على الطريق
الجمعة 17-11-2017
ديب علي حسن

من مأثورات التراث قولهم: أحقد من جمل، ومن المعروف أن الجمال لايمكن أن تسكت عن إهانة وضيم لحق بها من مربيها، تروى قصص كثيرة في هذا المجال عما فعلته انتقاماً حين حانت لها الفرصة المواتية،

والغريب في الأمر أن الرواة لايقفون كثيراً عند الحنين الذي تختزنه سفن الصحراء، فهي بالقوافل البعيدة تحتاج إلى حاد يقودها، ينغم الصوت ويرنم الأنغام، تسير الهوينى وراءه، منقادة إلى نغم حقيقي، لا تعرف نشازاً حينها إلا إذا كان الحادي متسلطاً، وعلى الأغلب ليس كذلك، إذ لايستوي الأمر حقيقة أن يكون حادياً ومستبداً.‏

أما قصص الحنين والألفة، فهي كثيرة تعبر مرور الكرام إلا بخبر هنا وهناك، لكن لا بأس أن نذكر أن ناقة بيعت بمنطقة بعيدة من الحجاز أخذها الشاري مسافة تزيد على الألف كم، استيقظ ذات صباح ليجدها قطعت رباطها، ظل يبحث عنها أياماً عدة لعله يعثر عليها، لكن دون جدوى وبعد مرور شهر يتصل البائع به ليخبره: الناقة عادت إلى مربطها حيث كانت ترعى، تفضل خذ ما دفعته ثمناً لها.‏

هذه ناقة، تعود قاطعة ألف كيلو متر عبر الصحارى لتستقر حيث كانت، لم تفتك بصاحبها، ربما مرغت رأسها بثيابه، وطافت حول المكان، لا أدري، لكنها لم تكن الحقد والبغيضة، ناقة تفعل ذلك، ناهيك عن قصص أخرى لحيوانات دجنها الإنسان فكانت وفية له أكثر من وفاء البعض، سواء كانوا أقرباء أم أصدقاء، أم أبناء جلده، وتحضرني هنا مقولة تلك المرأة التي خاطبت زوجها الشحيح: والله إن الفئران لا تجد في بيتك ما تقتاته، لكنها لا تغادر خوفاً من الحنين إلى المكان.‏

يحضر ذلك والمتنبي جد الشعراء يصرخ: خلقت ألوفاً ... وتتماثل أمامي صور الأحقاد والضغائن التي نقرأ عنها كل يوم، تبدو على صفحات التواصل الاجتماعي، تذهل مما تقرأ وتسأل: أين كان هذا الغل كله؟ عجباً كيف لصدر إنسان من لحم ودم أن يحتمل هذا؟‏

أهو كهف أكثر ظلمة من كهوف تورا بورا ؟ كيف لمن يمشي على قدمين ويرى بعينين ويأكل بيدين وينطق بلسان أن يكون كذلك؟ أحقاً هو من طينة البشر؟‏

بل يزداد العجب حين تطالعك صفحات (التنابذ الاجتماعي) بغسيل (الوسخ) يتنابذ به مفكرون ومثقفون وفنانون، وكثيرون ممن تظن أنهم حقاً مرآة المجتمع، لكنك تصدم حين يتقيأ أحدهم ما في كهفه الداخلي، خفافيش، لا أحد يدري كم لها من الدهر مستوطنة قلبه وعقله، كيف لم تفتك به، بل كيف تعايش معها؟‏

المشهد حقاً مؤلم وقاس، أنهار من من الدنس تفتك بكل شيء، جهراً وعلناً، أحقاً كنا نحتاج هذا العالم الافتراضي ليكشف كم كنا مزيفين، كم كنا وراء صور ليست لنا ؟ أحقاً نحن هكذا، ولماذا وكيف، أعلى فتات وبقايا تمرة نتذابح، عناقنا خناجر تحز رقاب بعضنا بعض؟‏

لماذا فجأة ظهر هذا العفن كله، من يغسله إذا كان من يفترض بهم أنهم مشاعل الدرب في الليل البهيم، هم مصدره؟‏

وبعد نسأل: لماذا الطوفان يحيق بنا من كل حدب وصوب؟ وأي جودي سترسو عليه سفينة الأحقاد، بل إلى بحر الظلمات تقودها البوصلة، فلا عاصم بعد اليوم، والأحقاد تصب ممن يدعون أنهم حملة المشاعل، من الماء إلى الماء، ومن الألف إلى قرب الياء، المشهد قاس ومؤلم وجارح وصادم، لا مفر من مواجهته، ولو كان الأمر جارحاً رضي من رضي، وغضب من غضب.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 ديب علي حسن
ديب علي حسن

القراءات: 133
القراءات: 204
القراءات: 274
القراءات: 321
القراءات: 419
القراءات: 486
القراءات: 510
القراءات: 681
القراءات: 942
القراءات: 984
القراءات: 943
القراءات: 1124
القراءات: 1058
القراءات: 1269
القراءات: 1185
القراءات: 1579
القراءات: 1568
القراءات: 1620
القراءات: 1618
القراءات: 1723
القراءات: 1733
القراءات: 1899
القراءات: 1783
القراءات: 2045
القراءات: 2022

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية