تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الترفيه.. في لوحة الحياة

إضاءات
الجمعة 18-8-2017
لينا كيلاني

منذ أواخر الألفية الثانية ظهر ما يسمى بالترفيه الإلكتروني، وأصبح له معرضاً سنوياً ينطوي على أحدث ما يستجد في هذا المجال الذي أصبح صناعة، وتجارة مزدهرة تُطور من إمكاناتها عاماً بعد عام.. وتقام لأجلها المؤتمرات التي تشارك فيها أهم شركات البرمجيات، وتُعرض في صالاتها أحدث الأدوات، والأجهزة التي تستخدم في مجال الترفيه.

هذا الترفيه الذي بات الناس يبحثون عنه ليشتروه بالمال، أو ليحصلوا عليه بأي وسيلة كانت.. وأعداد اللاعبين الراغبين والمتلهفين للهو الإلكتروني تتزايد كل عام عن العام الذي سبقه حتى ليخال المرء ان نصف سكان العالم يكادون يشتركون في لعبة جماعية على حساب آخرين ممن يعملون، وينتجون، ويطورون، ولا يلعبون.. وهم الذين يحفظون البقاء بما يلزم له من غذاء، وكساء، ومعطيات حضارية أصبحت من نسيج الحياة، حتى اذا ما فقد المرء جزءاً منها أحس أن لا حياة له بدون هذا الجزء المتمم والمفقود من لوحة الحياة المعاصرة، وهي لا تكتمل إلا باستكمال كل أجزائها.‏

أما المعارض التي تقام لهذه الغاية، ومنها واحد هو الأشهر على الإطلاق، فغالباً ما تكون سوقاً للمنافسات، وربما للنزاعات، والجميع ينتظر حتى تكشف الشركات الكبرى في المعرض الأكبر على مستوى العالم عما في جعبتها من ألعاب جديدة هدفها رفع درجة المتعة والترفيه للاعب، مستفيدة بذلك من القدرات التقنية المتقدمة والمبه‍رة بآن معاً.‏

وها هي شركات الألعاب الإلكترونية تبتكر تقنيات جديدة للعب جماعي.. إذ إن اللهو ما عاد يقتصر على اللعب الفردي بل تعداه الى مشاركة الآخر، أو الآخرين في متعة لعب تفاعلي مبهر يرتكز على تقنية الواقع الافتراضي الذي تعززه الصورة فائقة الدقة، مبهرة الألوان، غير المسبوقة لألعاب هي الأحدث من بين ما تطلقه منصة شركات التكنولوجيا العملاقة. إنها لعبة الخيال المدعومة بالرسوم، والألوان بما يكفي لجذب أي أحد اليها صغيراً كان أم كبيراً.‏

ليس هذا فحسب بل إن من هذه التقنيات الفائقة ما يسمح لمحبي الحفلات الموسيقية مثلاً أن يدخلوا من بوابة الواقع الافتراضي الى قاعات الحفلات الحقيقية كما لو أنهم من المدعوين.. ومنها ما يجعلك رياضياً تمارس هوايتك بكثير من الحرية والانفتاح على الآخر.. الى جانب الألعاب التي تحفز التفكير الإبداعي وغيرها. أما المهارات التي يكتسبها اللاعب على مدى خطوات اللعبة وهي تسير به نحو النهايات قد تفيده لاحقاً في اكتساب مهارات أخرى جديدة تتجاوز مرحلة اللعب واللهو.‏

كل هذا من شأنه رفع درجة الترفيه والمتعة الى حد كبير.. ومن الطريف أن تصبح هذه الألعاب تسلية ليست فقط للأطفال، أو لليافعين بل للكبار أيضاً، وهم يدمنونها أكثر مما يفعل صغارهم، لتبقى النظرة الى من لا يتعرف الى هذه التسلية المعاصرة على أنه خسر كثيراً مما يمكن أن يحقق له متعة من نوع خاص تتناسب ومعطيات العصر.‏

والأهم في مثل هذه الألعاب الحديثة أنها تحقق للاعبها متعة السيطرة على أحداث، وأماكن، وأشخاص، وأهداف هي محددة سلفاً، كما لو أن المرء يعوض عن خسائره الحياتية بتلك المكاسب الافتراضية.‏

والملفت في هذا اللهو الإلكتروني أن الإنسان المعاصر قد ألفه، وتفاعل معه بدرجة كبيرة رغم أن الترفيه من قبل كان محدوداً في أشكاله، وأنواعه. ولكن ليست الألعاب الإلكترونية فقط التي تصنف تحت مسمى اللهو، فكل ما يتصل بشبكات التواصل الاجتماعي، وغرف الدردشة، والمواقع الإلكترونية المخصصة للصور، أو للتصاميم المختلفة، أو للبطاقات الإلكترونية، أو غيرها كل هذا قد يعتبر نوعاً من التسلية. فلماذا أصبحنا لا نستطيع ان ننفصل عن فضاءات اللهو والتسلية بينما الحياة المعاصرة تستهلكنا بشراسة، ولا تدع لنا فسحة من وقت فائض لنستهلكه بالتالي فيما نحب ونرغب من الترفيه والتسلية؟ فإذا بنا نقتنص أوقاتاً على حساب أوقات هي ليست بالتالي للهو والمتعة. معادلة لن يُضبط إيقاعها مادام يطغى جانب على آخر.‏

وها نحن نقف في منتصف طريق الحيرة اذا ما تساءل أحدنا: ترى هل يصح أن نسمح للأطفال الصغار أن يعتادوا على لهو إلكتروني له ميزاته التى توازي سلبياته.. أم علينا أن نكتفي بأن نقدم لهم تلك الألعاب البسيطة التي كانت لجيل الآباء وهي تعتمد على مهارات التفكير، وقدرات الذكاء، ولا تقل إبداعاً على بساطتها عن هذه الحديثة؟..‏

إلا أن علينا أن نتنبه الى أن الجيل الذي أبدع فضاء الإلكترون هذا لم يكن قد نشأ على ألعابه، وإمكاناته اللامحدوة، وكان يقرأ الكتاب، ويسعد بالفيلم التقليدي الذي يشاهده في دور السينما، ويلعب بالدمى، ويلون في دفاتر الرسم، ويمارس الرياضات في ملاعبها لا عبر الشاشات، ويذهب الى النزهات دون أن تصحبه شاشة تلتمع، أو هاتف جوال بإمكانه أن يصله بأبعد الأماكن عنه، وكان يعتمد على الخيال ليقفز الى أبعد من الواقع.. هذا الخيال الذي يجب أن يظل متقداً على الدوام.‏

لعلنا ننفض الغبار عن ألعابنا القديمة لنبعث فيها الحياة من جديد إذ نضعها بين أيدي الأبناء ولكن بالتوازي مع ألعاب الإلكترون حتى لا نحرمهم من فسحة محسوبة من متعة الترفيه الحديث تجعلهم بالتالي لا ينفصلون عن زمانهم، ويحسنون استخدام وسائله، وأدواته في مستقبل أيامهم.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 205
القراءات: 356
القراءات: 477
القراءات: 496
القراءات: 713
القراءات: 935
القراءات: 920
القراءات: 1099
القراءات: 1146
القراءات: 1493
القراءات: 1549
القراءات: 1661
القراءات: 1680
القراءات: 1960
القراءات: 2116
القراءات: 2237
القراءات: 2427
القراءات: 2502
القراءات: 2515
القراءات: 2831
القراءات: 3296
القراءات: 2958
القراءات: 3507
القراءات: 3595
القراءات: 3644

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية