تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


« طوفان يُنقذ ولا يُغرق »

إضاءات
الجمعة 25-8-2017
لينـا كيــلاني

الطوفان يغرق ويخنق كل حي.. ويكتسح دون رحمة كل ما يجده في طريقه.. إنه ذلك الشيء الذي يطغى على كل ما سواه.. لكن أنواع الطوفانات تتعدد إذ قد يكون طوفاناً بشرياً مثلاُ.. إنه ذلك التعداد السكاني المتنامي في العالم.. والذي يعد بمزيد من النمو قد يصل الى الانفجار.. انفجار سيصاحبه لا شك شح في موارد العيش الأولية لتقع الشعوب في الفقر، والجهل، والمرض، الى آخر سلسلة الكوارث.

إنها مشكلات تواجهها البلدان النامية بوجه خاص ما يعوق تقدمها، بينما ركب البلدان المتقدمة يسير في اتجاه معاكس، وبشكل سريع قد لا يسمح خلال عقود قليلة باللحاق به. وبالتالي ما فائدة أن تقوم الدول بتوفير تقنية المعلومات لشعوبها لتستخدمها في أغلب المجالات وهي ترزح تحت عبء سكاني يتفاقم عاماً إثر عام حتى لتكاد تنعدم حلول الإصلاح؟ وما فائدة موارد الدول إذا كانت لا تستطيع أن تنقذ شعوبها متزايدة الأعداد بوتيرة متسارعة؟ إلا أن حقيقة الأمر أن هذه الدول تملك استثماراً هائلاً، ورأس مال كبير يتمثل في رأس المال البشري. فهذه الاعداد التي تتكاثر من البشر هي في الواقع من أهم الثروات التي قد تتفوق في إمكاناتها على باقي الثروات الأرضية التي تملكها.‏

إن عصر المعلومات بات يفرض على الدول أن تُعد له الكوادر المؤهلة التي تساهم في تنمية المجتمع بعد أن تحول الإقتصاد العالمي الى اقتصاد المعرفة، هذا الذي تنبه الى أهمية العنصر البشري والذي أساسه العقول المنتجة.. فما بالنا ببلدان تعد بعشرات الملايين من سكانها كأحد أكثر مصادر رأس المال فاعلية؟‏

لكن حقيقة أمر الاستفادة من العنصر البشري في البلدان العربية واعتباره عنصراً أساسياً للنهوض بالدول ومجتمعاتها قد يكون قابلاً للتطبيق نظرياً أكثر منه عملياً، ذلك لأن المراحل التي تسبقه من حيث البنية الاقتصادية بالدرجة الأولى، ومن ثم البنية الاجتماعية، والثقافية قد لا يسعف توافرها بالشكل الأمثل الذي يؤهل لاستغلال العنصر البشري. إن استثمار الموارد البشرية، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال يحتاج قبلاً الى نهوض بالبحث العلمي، وتطوير في المناهج الدراسية، ومواكبة للعلوم الحديثة وتقنياتها، وخلق فرص عمل جديدة، وإذكاء روح الفريق في العمل هذا الذي أصبح نهجاً عالمياً في كل المجالات. وهذا ما يمهد بدوره لاستغلال الطموح الإنساني للنهوض بالمجتمعات.‏

إن إدارة الموارد البشرية هو علم قائم بذاته له تاريخه كما مستجداته، وهو يدخل في استراتيجيات الدول لبناء قدرات سكانها، وتوفير المناخ المناسب لاستثمار طاقات الأفراد العقلية والجسدية، هذا المناخ الذي يساهم بدوره أيضاً في الحد من هجرة العقول الى خارج بلدانها، وهذه أزمة بدأت تتفاقم في الآونة الأخيرة نظراً لغياب إمكانات استثمارها، هذا عدا عن الأوضاع السياسية المضطربة في بلادنا، والتي تشغل مساحات نشرات الأخبار على مدى الليل والنهار فلا تشجع على هجرة معاكسة لو أرادت تلك العقول أن تعود الى موطنها الأول. والهجرة لا تقتصر على العقول فقط بل هي للعمالة أيضاً حين تتوافر شروط عيش أفضل لها خارج حدود أوطانها.‏

ولقد سبقتنا الدول المتقدمة كثيراً في هذا المجال عندما لم تترك لثرواتها البشرية أن تنمو بشكل عفوي دون إدارة فاعلة تستثمرها، والصين نموذجاً وتعدادها يفوق مليار نسمة، وكذلك اليابان.‏

إن رأس المال البشري بات يشكل تحدياً حقيقياً في مواجهة تنامي العولمة، والتقدم العلمي، كما أن الزمن ليس في صالح الشعوب التي لا تلتفت بشكل جاد وحاد الى اسثتمار مواردها البشرية.. فبالرغم من المؤتمرات السكانية التي أقيمت على مستوى عربي وعالمي فإن بعض البلدان العربية مازالت تعاني من ازدياد أعداد سكانها دون حلول مجدية في استثمار طاقاتها كثروة قومية فاعلة عوضاً عن أن تكون عبئاً تنوء بحمله الدول.‏

هو طوفان البشر الذي يمكن أن يتحول الى طوفان ينقذ ولا يغرق إذا ما سار ماؤه في مساره الصحيح.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 لينا كيلاني
لينا كيلاني

القراءات: 380
القراءات: 185
القراءات: 236
القراءات: 304
القراءات: 316
القراءات: 291
القراءات: 398
القراءات: 335
القراءات: 412
القراءات: 472
القراءات: 453
القراءات: 534
القراءات: 526
القراءات: 522
القراءات: 597
القراءات: 651
القراءات: 610
القراءات: 706
القراءات: 744
القراءات: 728
القراءات: 688
القراءات: 729
القراءات: 797
القراءات: 827
القراءات: 802

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية